حين يجوع الفشل، ويشتم النجاح
في السياسة، كما في الحياة، لا يكره النجاح إلا من عجز عن بلوغه، ولا تُعادِي الدولُ القوية إلا لأن وجودها يفضح فشل الآخرين.
ولذلك، فإن العداء للإمارات لا يصدر عن أصحاب مشاريع دول، ولا عن حالمين بالتنمية، بل غالبًا عن بيئات أنهكها العجز، وأرهقها الفشل، حتى صارت الشتيمة عندها بديلاً عن البناء، والضجيج تعويضًا عن الغياب.
التاريخ الذي لم يُطعم شعبه، ولم يصن كرامة إنسانه، لا يصبح فجأة شريفًا لمجرد أنه هاجم دولة ناجحة.
ومن لم يؤمن يومًا بفكرة الدولة، سيظل يرى في القانون خصمًا، وفي النظام تهديدًا، وفي التجارب الناجحة إهانة شخصية.
الإمارات لم تُبنَ بالشعارات، بل بالإنسان.
لم تبدأ من المنصات، بل من المدرسة، والمستشفى، والوظيفة، والقانون.
ولهذا تبدو تجربة مزعجة لكل من اعتاد تحويل الفقر إلى قدر، والظلم إلى سياسة، والفوضى إلى هوية.
في الإمارات، لا يُترك الفقير وحيدًا في مواجهة الجوع، ولا تُرمى امرأة في الشارع لتساوم كرامتها بلقمة.
وهنا لا بد من التوقف عند واقعة إنسانية موجعة، حصلت في بلد شقيق، مع امرأة أرملة خرجت تشكو عجزها عن إطعام أطفالها، وقالت بمرارة تقطر ألمًا: تمنيت أذوق اللحم، حتى لو كان لحم حمار، فقط لأُسكت جوع أولادي.
هذه ليست حكاية للتشهير، ولا مناسبة للتشفّي، بل جرس إنذار أخلاقي:
الدولة لا تُقاس بثقل خطابها، بل بقدرتها على حماية أضعف مواطنيها.
والكرامة الإنسانية لا تُجزّأ، ولا تُؤجَّل، ولا تُبرَّر.
في الإمارات، القانون لا يحمي سارقًا، ولا يتغاضى عن انتهاك حق وافد، ولا يميّز بين اسمٍ وآخر.
هناك ميزان واحد، وعدالة واحدة، ومسؤولية تعتبر الإنسان قيمة لا رقمًا.
أما أولئك الذين لا يملكون إلا لغة البلطجة، فيظنون أن السبّ قوة، وأن الإساءة موقف، وأن الكراهية سياسة.
لكنهم ينسون أن الرقي ليس ضعفًا، وأن الصمت أحيانًا أبلغ من ألف شتيمة.
الإماراتي لا يحتاج أن يشتم،
ولا يهوى الانحدار إلى المستنقعات.
إن ردّ، ردّ بعقل،
وإن واجه، واجه بأدب،
وإن تجاهل، فذلك لأنه اختار السمو، لا العجز.
وهنا يتجلّى الفارق الجوهري:
هم يصرخون لأنهم عاجزون،
وهي تمضي لأنها واثقة.
وتبقى الإمارات، دولةً اختارت أن تعمل لا أن تصرخ،
وأن تبني لا أن تلعن،
وأن تترفع عن الجهل، امتثالًا لقوله تعالى:
﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا﴾
ليس عجزًا، بل وعي دولة عيال زايد.


