صناعة الأساطير واغتيال العقول

بقلم: حسن الكنزلي


نحن اليوم أمام ظاهرة خطيرة؛ قديمة في جذورها، متجددة في أدواتها، تُعرف بالأسْطَرَة. وليست الأسطرة حكاية تُروى للتسلية، ولا تراثا بريئا يُحفظ للذاكرة؛ بل صارت في زماننا سلاحا ناعما، يُوجَّه إلى الوعي، ويستهدف العقل قبل أن يستهدف الواقع.

الأسطرة، في جوهرها، هي تحويل الأحداث والأشخاص والأفكار إلى روايات مقدّسة أو شيطانية، تُنزَع عنها إنسانيّتها، ويُلغى فيها ميزان العقل والعدل. يصبح الخطأ حقّا؛ لأنه صدر من “رمز”، ويغدو الحق باطلا؛ لأنه جاء من “خصم”. لا يُمنع السؤال لضعف الدليل؛ بل لأن الراوي أُلبِس ثوب القداسة، وكأن التفكير جريمة، والمساءلة خيانة.

في أصلها، كانت الأسطورة حكاية شعبية، تحمل خيالا أو عبرة أو ذاكرة أمة، لا تُلزم عقلا ولا تُصادر حقّا. أما الأسطرة، فهي شيء آخر تماما؛ صناعةُ وعي زائف، وتدجين عقول، وتحويل البشر إلى أتباع لا يفكّرون؛ بل يصفّقون.

وتُستعمل الأسطرة في كل العصور؛ لأنها الطريق الأقصر للسيطرة؛ تُغني عن الدليل، وتُعفي من المحاسبة، وتمنح صاحبها سلطة لا تُناقَش. بها يتحوّل الخلاف إلى خيانة، والسؤال إلى جريمة، والاختلاف إلى تهديد وجودي.

والأسطرة لا تعيش في الفراغ؛ بل تنبت في تربة نفسية واجتماعية مهيّأة. تنبت أولا في حاجة الإنسان إلى التبسيط؛ فالعقل الكسول يهرب من التعقيد، ويبحث عن رواية جاهزة؛ أبيض أو أسود، معنا أو ضدنا، بطل كامل أو شيطان مطلق. وتنبت كذلك في الخوف والهوية القلِقة؛ حين يخشى الناس ضياع مكانتهم أو تغير العالم من حولهم، فيبحثون عن “عدوّ” يعلّقون عليه إخفاقهم، وعن “مخلّص” يعلّقون عليه آمالهم.

وتقوى الأسطرة أكثر حين تتغذّى على العصبية والقطيع وتقديس الرموز؛ حين يُلغى العقل لصالح الجماعة، ويُختزل الدين في اسم أو راية أو صورة. هنا يصبح الانتماء بديلا عن الحقيقة، والهتاف بديلا عن الفهم.

والقرآن الكريم لم يكتفِ بفضح الباطل؛ بل كشف آلية تزييفه، وعرّى كيف يُقلب الحق باطلا، والباطل حقّا. وواجه الأسطرة بمنهج البيّنة، ومنهج العقل، ومنهج العدل. ولم يكن كتاب تخدير؛ بل كتاب إيقاظ؛ لا يصنع أوهاما؛ بل يفكّكها، ولا يغيّب الإنسان؛ بل يوقظه على مسؤوليته.

ولهذا حطّم القرآن منطق تقديس الأشخاص، وأعاد الناس إلى الحقيقة البسيطة العميقة؛ فالرسالة أعظم من حاملها، والحق أسبق من رجاله. وكم ضلّت أمم حين رفعت بشرا فوق مقام البشر! أو أسقطت بشرا دون ميزان العدل! أسطرة الأشخاص كانت دائما المدخل الأوسع للاستبداد؛ يُقدَّس القائد حتى يُعصَم من الخطأ، ويُشيطَن الخصم حتى يُجرَّد من أي حق.

ثم تأتي أسطرة الجماعات، حين تدّعي فئة أنها “الحق المطلق”، وأن غيرها “الباطل المطلق”. يُلغى النقد، ويُجرَّم الاختلاف، ويُختزل الدين في جماعة، والهداية في لونٍ واحد. ويتبع ذلك أسطرة الصراعات، حين تتحوّل المصالح إلى “معارك مقدسة”، وتُلبس الخصومات ثوب الدين، فيُسفك الدم باسم السماء.

وفي عصرنا، لم تعد الأسطورة تُصنَع بالكهنة؛ بل بالشاشات؛ فنحن نعيش عصر الرواية لا عصر الحقيقة؛ لا يُطلب منك أن تفهم؛ بل أن تنفعل. تُختزل الوقائع في مقطع، وتُفصل صورة عن سياقها، وتُشحَن بعاطفة تُغني عن التفكير. والخوارزميات لا تسأل: هل هذا حق؟ بل: هل هو مُثير؟ فتُكرَّر الرواية، وتُضخَّم؛ حتى تستقر في الوعي كأنها حقيقة لا تقبل النقاش.

وحين تسود الأسطرة، يُعطَّل العقل، ويُخنَق الاجتهاد، ويُجرَّم السؤال. يُبرَّر الظلم باسم المقدّس، ويُقتل الإنسان ليبقى الشعار، وتتمزّق المجتمعات، ويتحوّل الاختلاف إلى كراهية. والأسوأ من ذلك كله أن الدين نفسه يُشوَّه، فيُقدَّم للناس غاضبا، قاسيا، إقصائيّا؛ بينما جاء في جوهره رحمة وعدلا وهداية.

في مواجهة هذا كله؛ يقدّم الإسلام دواء واضحا: إحياء ميزان الحق والعدل؛ لا ميزان الأشخاص. فالحق لا يُعرف بالرجال؛ بل يُعرف الرجال بالحق. ويضع الإسلام فقه التثبّت وسؤال الدليل، ويقدّم القيم على الشعارات، والمقاصد على الادعاءات؛ فليس كل من رفع راية صادقا، ولا كل من تكلّم باسم الدين مصيبا.

ومقاومة الأسطرة لا تبدأ من المنابر وحدها؛ بل من داخل النفس. تبدأ حين نربّي أنفسنا على الوعي؛ لا الانفعال، وعلى التمهّل؛ لا الاندفاع، وعلى التمييز بين الخبر والتحليل، وبين الرأي والحقيقة. تبدأ حين نسأل أنفسنا بصدق: هل نحن طلاب حق، أم أسرى رواية؟

كما أن على العلماء والدعاة والمربين مسؤولية جسيمة؛ تفكيك الخطاب الأسطوري؛ لا إعادة إنتاجه، وبناء خطاب يحرّر العقول ويزكّي القلوب، يربّي على الفهم لا التلقين، وعلى السؤال لا التقديس، وينقل الناس من التعبئة العاطفية إلى التربية الواعية.

في النهاية! الأسطرة طريق للهيمنة، والوعي طريق للتحرير. الأسطرة تُخدّر، والوعي يُوقظ. الأسطرة تصنع قطيعا، والوعي يبني أمة.
والدين لم يأتِ ليصنع أصناما جديدة تُعبد من دون الله؛ بل ليكسر كل صنم؛ حجرا كان أو فكرة، ويُخرج الإنسان من ظلمات الوهم إلى نور الحقيقة.
نسأل الله أن يرينا الحقّ حقا ويرزقنا اتّباعه، وأن يرينا الباطلَ باطلا ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعله ملتبسا علينا فنضل! ودمتم سالمين!