رسالة إلى الجار.. راعوا حقوق الجوار قبل فوات الأوان
في قاموس السياسة وشيم العرب، يظرل "حق الجار" ميثاقاً غليظاً لا ينفصم، وفي تاريخ الصراعات الكبرى، تُبنى التحالفات على قاعدة الثقة المتبادلة والمصير المشترك. لقد كان الجنوب العربي، وما يزال، هو الساعد الواحد الذي ضرب بيد من حديد إلى جانب شقائقه، متحدياً كافة القوى الإرهابية والمشاريع التي استهدفت زعزعة الأمن القومي للمنطقة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية الشقيقة.
حين تصدرت المملكة "التحالف العربي" لردع المليشيات الحوثية والأطراف المعادية للسلم الإقليمي، لم يتردد الجنوبيون لحظة واحدة. تقدم رجال الجنوب، سياسيين وعسكريين، ليكونوا في خط الدفاع الأول، ليس فقط دفاعاً عن أرضهم، بل حمايةً لخاصرة الخليج العربي. كان الشعار ولا يزال: "الجار ثم الجار.. وإن جار يوماً".
إلا أن المشهد اليوم يثير الكثير من التساؤلات المشروعة. نرى توجهاً يوحي بأن الجار السعودي قد بدأ يمنح آذانه لمن استنزفوا اقتصادها ومواردها لسنوات طويلة تحت عباءة "محاربة الإرهاب" وهم في الحقيقة لم يبرحوا أماكنهم. من الغريب أن يتم الالتفات اليوم لأطراف كانت بالأمس القريب هي من تحفر الحفر للمملكة، وتسعى لإضعاف دورها الريادي، متناسين أن من يغدر مرة، يغدر ألفاً.
نقولها بوضوح للقيادة في المملكة: إن الجار الجنوبي هو الطرف الذي لم يغدر بكم يوماً، ولم تستحوذ عليه شياطين المصالح المتقلبة لتشويه العلاقة الاستراتيجية معكم. لقد اختبرتم صدق الرجال في ميادين الشرف، وفي غرف السياسة، حيث ظل الجنوب وفياً لعهده، ثابتاً على مبادئه، ومدركاً أن أمن عدن هو امتداد لأمن الرياض.
إن السياسة هي فن الحفاظ على الحلفاء قبل كسب الأعداء. وهنا يبرز السؤال الكبير والمصيري:
هل تمتلك المملكة العربية السعودية الجرأة والقدرة على "المقامرة" بفقدان حاضنتها الشعبية والسياسية في الجنوب، بعد أن فقدت الكثير من نفوذها وتأثيرها في مناطق الشمال نتيجة الرهانات الخاطئة؟
إن الحاضنة الشعبية في الجنوب هي الرصيد الحقيقي والمتبقي للتحالف العربي، وهي الضمانة الوحيدة لاستقرار المنطقة بعيداً عن أطماع المليشيات. إن مراعاة حقوق هذا الجار الوفي ليست مجرد مطلب أخلاقي، بل هي ضرورة استراتيجية لحماية المكتسبات التي عُمدت بالدماء.
ختاماً.. نأمل أن تغلب الحكمة لغة المصالح الضيقة، وأن يظل الساعد الجنوبي والسعودي معاً لقطع دابر الإرهاب، وبناء مستقبل يسوده الاحترام المتبادل وحفظ الحقوق.


