غياب الوعي أم سذاجة الطرح؟.. أكذوبة مشاركة الإعلام الإسرائيلي في مليونية الجنوب أنموذجًا

لم أكن أود أن أكتب مقالا في موضوع كهذا، وكنت أكتفي بالردود العابرة كلما طُرح، وحيثما طرح. فالمسألة – في حقيقتها – لا تستحق مقالا ولا تحتاج إلى سردية، ولا حتى إلى نقاش جاد؛ لأنها ببساطة شديدة طرح ساذج، ومن يروّج له يقع – شاء أم أبى – في دائرة هذا التوصيف.
غير أن ما دفعني إلى الكتابة، هو أن هذا الطرح – مع الأسف – بات يقدم بصورة لافتة، وتكراره اللافت أسهم في ترسيخه داخل الوعي الجمعي، ذلك الوعي الذي يتلقّف كل ما يطرح دون فحص أو تمحيص. وبطبيعة الحال، فإن كل ما يشاع ويذاع، حتى وإن كان زائفا، يجد له قبولا ما، بمعزل عن حقيقته أو صحته.
الطرح الذي نتحدث عنه، والمقدم بسذاجة مفرطة، يتمثل في الادعاء بحضور وسائل إعلام إسرائيلية لمساندة ومؤازرة مليونية الشعب الجنوبي يوم الجمعة الماضية في عدن، وتصوير هذا الحضور – إن وُجد – على أنه جاء بدعوة أو ترحيب من المليونية ذاتها.

دعونا نتحدث بالعقل والمنطق، وبالحد الأدنى من الاستدلال.
أولا:
يجب أن نقرّ بأن إسرائيل وإعلامها في المنطقة منبوذان في الظاهر، مرحَّب بهما في الباطن. فجميع دول الإقليم تقريبا تقيم علاقات مع إسرائيل، سواء فوق الطاولة أو من تحتها.
ثانيًا:
دول المنطقة تحارب بعضها بعضا، ولا تجد – على المستوى الجماهيري – تهمة أقذر من اتهام الخصم بعلاقته مع إسرائيل، في الوقت الذي تتعاطاها هي كأسا هنيئا مريئا كل صباح .. كل مساء. 
ثالثًا – وهو جوهر الموضوع:
اتهام مظاهرات الشعب الجنوبي بأن الإعلام الإسرائيلي كان حاضرا فيها مرحَّبا به، هو اتهام يهبط بالوعي الإنساني إلى مستوى الابتذال والرخص.
فحتى لو افترضنا – جدلا – أن وسائل إعلام إسرائيلية حاولت التغطية، فإنها وسائل إعلام دولية، والبلاد مفتوحة، وليس بيد الجنوبيين منح أو منع التصاريح؛ فالجهة التي تملك ذلك هي خصمهم السياسي، وقد يتم السماح بالتغطية – إن حدثت – بقصد التشهير والتشويه لا أكثر.
فكيف يعقل أن يأتي إعلام منبوذ، ويستقبل بالترحيب من شعب يسعى إلى تقديم قضيته بأقصى درجات النقاء، ويجاهد كي يبقى بعيدا عن الشبهات. 

إن القبول بمثل هذا الادعاء هو انتحار سياسي وأخلاقي، ونسف لعدالة القضية من أساسها.
وأي إنسان يمتلك قدرا فاعلا من العقل – حتى لو كان خصما للجنوبيين، خصما شريفا – لا يمكن أن يتقبل هذا الادعاء، على الأقل من باب احترامه لذاته، ولكينونته الإنسانية التي كرّمها الله بالعقل وفضيلة التفكير.
ثم إننا، لو افترضنا جدلا إن لإسرائيل علاقات مع الشعب الجنوبي، فإن من المستحيل – في مثل هذه الظروف – أن تظهر هذه العلاقات إلى العلن؛ لأن إسرائيل تدرك أن إعلانها الصريح سيضر بمن تدّعي مساندته أكثر مما ينفعه.
هل يعقل أن يأتي سارق، أو قاتل، أو منبوذ، في وضح النهار، معلنًا هويته، ليؤيد شخصا يكافح لدفع الأذى عن نفسه؟
هذه سخافة لا حدود لها، وحجة واهية لا يرددها إلا من كان متبلد الفكر، أو مسيَّرا، أو منساقا مع القطيع.
ولو كانت إسرائيل – التي تسرح وتمرح في علاقاتها مع دول المنطقة – تمتلك بالفعل علاقات مع المجلس الانتقالي الجنوبي أو أي مكون جنوبي آخر، لكانت وفود العرب اليوم تتقاطر على عدن لمبايعة القيادات الجنوبية كدولة مستقلة قائمة بذاتها.

أخطر ما في مثل هذه الطروحات ليس زيفها فحسب، بل قدرتها على إرباك الوعي العام، وتحويل القضايا العادلة إلى مادة للابتذال والتشويه. فالقضية الجنوبية لا تحتاج إلى فبركات ولا إلى خصومات رخيصة، بل إلى وعيٍ يحسن التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين النقد المشروع والتضليل المتعمَّد.
كل من يدعي احترام العقل، ويؤمن بأن القضايا المصيرية لا تدار بالسذاجة، ولا تناقَش بمنطق القطيع، ولا تهاجم بالابتذال يجب عليه أن يرتقي.
فإن الارتقاء في الطرح، والخصومة بشرف من صفات النبلاء.