جمهورية اللصوص والجوع
لم أشاهد هذا المشهد من قبل..
لا في أسوأ مراحل الصراع، ولا في أكثر سنوات القهر قسوة، ولا حتى في زمن السجون والملاحقات.
لم أشاهد شعباً يتضور جوعاً إلى هذا الحد، يأكل من القمامة، بلا رواتب، بلا أمان، بلا كرامة، بينما تُنهب ثرواته علناً وتُرفع في وجهه شعارات الوطن.
لم أشاهد يوماً أسر الشهداء—الذين قدّموا أبناءهم فداءً—يُجبرون على النزول إلى الشارع لبيع الدجاج والشيبس والبطاط الحمر والبخور، كي يسدّوا رمق أطفالهم.
أيّ وطن هذا الذي يترك أمّ الشهيد تاجرة فقر؟
وأيّ سلطة هذه التي تتغنّى بالتضحيات ثم تترك أصحابها للجوع ؟
لم أشاهد من قبل جرحى في بيوتهم، جراحهم متعفنة، بلا علاج، بلا رعاية، بلا دواء..
أجسادهم تشهد على المعركة، وواقعهم يشهد على الخذلان.
من أطلق الرصاص وجد المال،
ومن نزف الدم تُرك يواجه مصيره وحده.
هذا ليس وصفاً عاطفياً، بل واقعٌ يوميٌّ تدعمه الوقائع، وتؤكده الشوارع، وتصرخ به وجوه الناس.
الفقر لم يعد حالة فردية، بل سياسة.
والجوع لم يعد طارئاً، بل أداة حكم.
أنا لا أكتب من موقع المتفرّج، بل من موقع من دفع ثمن الكلمة مبكراً.
في عام 1988، كنت شاباً مراهقاً حين اعتُقلت في سجن أمن الدولة بمحافظة أبين.
كان ذنبي أنني رفضت منطق “ زمرة وطغمة ”، وطلبت المساواة، لا أكثر.
كان مدير امن الدولة حينها يدعى البرص اليافعي.
لم أكن أحمل سلاحاً، كنت أحمل سؤالاً.. والسؤال في أوطان القهر جريمة.
وفي 27/7/1994، اعتُقلت مرة أخرى في الأمن السياسي بأبين، وكان مديره آنذاك عبدالقادر الشامي، بسبب مظاهرة قمتُ بها.
بدأت حقوقية، تطالب بالكهرباء،
لكن حين يُقمع الحق، يتحوّل تلقائياً إلى موقف سياسي.
فالحقوق حين تُمنع، تفضح طبيعة السلطة.
وفي عام 2007، اعتُقلت في البحث الجنائي بأبين بسبب اعتصام للتصالح والتسامح.
وفي عام 2009 تم اعتقالي ومحاكمتي في البحث الجنائي الحوطة لحج وكان مديره انذاك عبدالسلام الرضي بسبب تظاهرة سلمية للتصالح والتسامح.
ثم اعتُقلت مرتين في ردفان خلال ثورة الجياع، في أيام ما سُمّي بالشراكة
( اتفاقية الرياض 1 و 2 ) .
تغيّرت الأسماء، وتبدّلت اللافتات،
لكن القمع واحد،
والجوع واحد،
والشعب هو الضحية الدائمة.
وهنا يفرض السؤال نفسه، لا بدافع الغضب فقط، بل بدافع العقل والمنطق :
لماذا كل هذا الظلم ؟
لماذا هذا القهر الممنهج ؟
لماذا يُسرق الوطن باسم الوطن ؟
ومن أعطى اللصوص حق التحدّث باسم الشعب ؟
الوطن ليس شعاراً يُرفع لتبرير النهب،
ولا نشيداً يُغنّى لإسكات الجائع،
ولا علماً يُغطّى به الفساد.
الوطن هو الإنسان،
فإذا جاع الإنسان، سقط الادعاء،
وإذا أُهين الإنسان، بَطُلت الشرعية.
ما نعيشه اليوم ليس فشل إدارة فقط، بل انهيار أخلاقي وسياسي كامل.
حين يُكافأ الفاسد، ويُهان الشريف،
وحين يُخوَّن الجائع لأنه طالب بحقه،
فاعلم أننا أمام احتلال مقنّع،
واستبداد يلبس ثوب الوطنية.
هذا المقال ليس دعوة للكراهية،
بل صرخة ضد الظلم.
ليس تحريضاً،
بل شهادة.
والتاريخ—مهما طال الزمن—لا ينسى الشهود.
قد يُعتقل الجسد،
لكن الفكرة لا تُسجن،
وقد يُقمع الصوت،
لكن الجوع أفصح من كل خطاب.
وإن كان ثمن قول الحقيقة هو القهر،
فالصمت—في زمن الجوع—خيانة لا أقبلها،
لا لنفسي،
ولا لشعبي.


