الفدائي الوحدوي علي سالم البيض

انتمى القائد الراحل الذي توفي في 17 يناير 2026 في أبو ظبي ودفن فيها إلى فرع حركة القوميين العرب في اليمن وهوطالب في القاهرة وقد نظمه أحد مؤسسي فرع الحركة
الراحل يحي عبد الرحمن الإرياني الذي كان البيض يسأل عنه من حين إلى آخر في صنعاء وهو نائب لرئيس مجلس الرئاسة، لكن الإرياني آنذاك كان يرى طبقا للسفير عبد الملك الإرياني أن الاشتراكي قد شاخ. يحي حاول بدون نجاح إنشاء حزب ليس بديلا للاشتراكي لأنه لم يعلن معارضا له ولكن لأنه كان يريد إطارا فعالا يتحرك فيه بحرية ويجد بإرثه النضالي نفسه فيه. البيض لم يلتقط هذا الموقف لأن شريكه وحليفه وخصمه في الآن نفسه شغله باتخاذ مواقف دفاعية لاتقاء أذاه الذي بلغ حد انتهاك خصوصيته الأسرية في غرفة نومه.

قاتل البيض كفدائي في الجبهة القومية لتحرير الجنوب المحتل وكان ككل مقاتل يتوقع الشهادة ولا ينتظر السلطة.
كان البيض من الذين يطلق عليهم “المبدئيين” وقد عاش سنوات عمره الأخيرة مريضا كوطنه الذي أراد له العافية بالوحدة ولكن حيل بينه وبين تحقيق حلمه ، حلم الشعب ، من قبل مَن

قال للرئيس علي ناصر محمد عندما كانا معا في سلطتي الشطرين أنه لايريد الوحدة ثم تحول فجأة إلى وحدوي لكي يئد الحلم والتغيير الذي بدأ في الجنوب نحو التعددية الحزبية وحرية التعبير والصحافة والانفتاح الاقتصادي وإنتاجا واعدا للنفط ووعودا سعودية بالدعم والعون ، للحيلولة دون انتقال التأثير إلى عرين الفساد وحكم القرية وماجاورها والانفراد بالسلطة وتوريثها والتهام كل شيء. كانت الآمال معلقة على البيض وعلى الحزب الاشتراكي أكثر من الشريك التكتيكي في إحداث تغييرات إيجابية طال انتظار كل اليمنيين لها . في حديث عن الوحدة عام ١٩٩٠ مع مواطن في مطعم الحلواني بصنعاء عبر عن يأسه من قيام صالح بأي تغيير وكان أمله معلقا على البيض وحزبه حد قدرتهما على تخفيض الأسعار وتقليل معاناة المواطن والقضاء على الفساد والمحسوبية ووضع حد لانتهاك القوانين ومنها قوانين المرور . بدأ صالح قبيل الوحدة بإشعار البيض باختلاف رؤيتهما للمرأةعند زيارته الأولى لصنعاء،عن طريق البر، في ديسمبر ١٩٨٩ عندما تم تجاهل وجود زوجته السيدة مُلكي وسيدات جنوبيات وحظر إظهار مشاركتهن في الإعلام المرئي والمكتوب والمسموع رغم أن السيدة مُلكي عضوة لجنة مركزية في الاشتراكي. ربما لم يهتم البيض لهذا التجاهل . من جهتي نبهت أحد مرافقي البيض كان جالسا بجانبي قائلا هذه بداية غير مبشرة، لكن ربما أن الفرحة بالوحدة تغلبت على إحدى هذه الصغائر الهامشية التي كبرت وتعددت حتى تيقن البيض أنه لم يعد في قوس الصبر منزع وقرر الاعتكاف الأول في عدن لثلاثة أشهر ابتداء من اغسطس ١٩٩٢ ثم الثاني في العام التالي. كل هذا وصالح لايصحح أي خطأ وأصر على عدم قيامه باعتقال من يقومون بالاغتيالات للاشتراكيين حتى لو قاموا بذلك عند بوابة القصر الجمهوري، معلومة من اللواء مطهر مسعد نائب وزير الداخلية آنذاك .

كان المثقف البيض يدرك أن روما لم تبن في يوم واحد ومع هذا فشل في تجنب انفجار ١٩٩٤ المخطط له مسبقا بين صالح وحزب الفتن والفتة.

كان الشريك يكره الشراكة وهذا نزوع طبيعي لأي حاكم سلطوي انفرد بالقرار لثلاثة عشر عاما بدون اعتراض ويصفه نول بريهوني ب” الذي لايرحم” . تجسد هذا تنظيميا في ابريل ١٩٩٠ قبيل إعلان الوحدة عندما صدرت عن المؤتمر الشعبي نشرة داخلية خاصة بالأعضاء لايلمس القارء نفَسا وحدويا حقيقيا ولا برغبة بالشراكة. ركزت النشرة على دور الرئيس والمؤتمر وحدهما ولم تأت على ذكر الشريك وحزبه وبشّرت المؤتمريين بتبنى المؤتمر ابتداء من مؤتمره الثالث عام ١٩٨٥ لهذا الشعار ” المشاركة الشعبية على طريق الديمقراطية والتنمية وتحقيق الوحدة اليمنية”.وزعمت بأن اتفاق عدن التاريخي لم يكن سوى تتويجا لجهود القيادة السياسية الحكيمة والمؤتمر الشعبي العام ” كان هذا أول استبعاد تنظيمي/ سياسي/ استراتيجي متعمد لدور الشريك ولو لم يكن الاستبعاد سياسة ستنفذ لما كانت النشرة سرية ومحدودة التداول

إن البيض سيرة ناصعة ولم يتلوث بالفساد وكان ديمقراطيا أكثر من الشريك. وبالإجماع كان صانع الوحدة الأول رغم نقده من قبل كثيرين في حزبه لانفراده بقرار إقامتها في نفق كان يُتوقع أن يتحول إلى أمل رحب وليس إلى نفق مسدود ثم حرب. قرار النفق الفردي انتقد من كثيرين في المكتب السياسي واللجنة المركزية ومن آخرين في الحزب. في فبراير ١٩٩٠ ذهبت إلى عدن مع أسرتي لتتعرف عليها و قابلت د. سعيد الدبعي الدبلوماسي الجنوبي الذي تزاملت معه في براغ وكنا نلتقي سرا ليشكو كل منا إلى الآخر متاعبه. قضينا إحدى الليالي في ساحل أبين مع الرائد الراحل أحمد عوض الذي كان شديد الانتقاد للبيض لانفراده بقرار الوحدة التي لم يكن ضدها .قال عوض أن الحزب بالنسبة له أهم من أمه وأنه ينفذ قراراته لكن فردية البيض كانت ضد لوائح الحزب وحذر من تهافت بعض القياديين الذين يدعون إلى ولائم دسمة في صنعاء والمقيل في دوواين فخمة لامثيل لها في الجنوب. الرائد عوض عاش مشردا في القاهرة بعد حرب ١٩٩٤ كعشرات الآلاف الذين تفرقوا في عدة منافي وعاش في مصر حتى وفاته فيها ولم يكن يستطيع مغادرة مصر لأن الرئيس صالح طلب من الرئيس مبارك أن من يغادر مصر من الجنوبيين حتى لو ذهب إلى مكة المكرمة يمنع من العودة إليها.

مع البيض:

أتاح لي الشهيد جار الله عمر لقاء قصيرا مع البيض في مكتبه. لاحظت أن الردهة أقرب ماتكون إلى ثكنة عسكرية وفي نهاية اللقاء سألني ما إذا كنت أحتاج شيء وقد شكرته وقلت له أني لا أحتاج سوى نجاح الوحدة. أتيحت لي فيما بعد فرصة التحدث مع البيض وهو في مسقط على هامش أحاديث جار الله العديدة معه من لندن. . بعد سنوات قليلة اتصل بي البروفسور الراحل فِرِد هاليدي، الإيرلندي و الأستاذ المرموق بكلية لندن للاقتصاد ليخبرني بأن وزارة خارجية سلطنة عمان دعته ليحاضر فيها. كانت الدعوة بعد جفاء طويل لمشاركته في حرب ظفار مع الجبهة الشعبية. طلب مني هاليدي إذا كان هاتف البيض لدي أن اتصل به لسؤاله عما يريد منه إحضاره له من لندن، وكان رد البيض أنه يريد كتبا في الماركسية. لم تتح لهاليدي كخبير في شؤون اليمن فرصة لقاء كان يراه نادرا و ثمينا وعاد بخفي حنين.

قبل الوحدة:

دفع الوحدويون في الشمال أثمانا قاسية لوحدويتهم وعانوا من كراهية وتهميش واضطهاد وهضم حقوقهم وكان الوحدوي متهما بأنه غير وطني وعميل للجنوب وموسكو معا ولقي العشرات وربما المئات حتفهم في السجون أو بالاغتيال، معلومات وافيه لدى الباحث أ.فوزي العريقي. أتذكر أنه عند قيام مجلس التعاون العربي عام ١٩٨٩ كان الراحل عمر الجاوي في صنعاء وكان صوته هو الوحيد المتسائل عن مصير الوحدة. حملت قلقه إلى أحد المتحولين الذي سخر من الجاوي ومني ومن الوحدة وقال بأن الجنوب سيتحد مع سلطنة عمان وسيتخلى عن الماركسية.
حرب ١٩٩٤:

أصابني رذاذ الحرب و”الانفصال” عندما طلب مني القنصل العام في بومبي رسميا وبواسطتي من سفير اليمن في الهند المناضل النقابي الراحل أحمد عبده راجح التنديد بالانفصال في برقيتين نرسلهما إلى الرئيس. كان موقفنا موحدا وهو أننا ضد الحرب وضد الانفصال ولكن الإصرار كان على الأولى ورفض موقفنا . السفير راجح عوقب عندما أصيب في صنعاء بفيروس كبدي قاتل وتعمُد عدم مساعدته للتعافي منه.أما أنا فقد أمرضتني الحرب ودخلت مستشفى في نيودلهي ولم أكن أعلم أن عقوبتي سبقت الطلب والمرض وأنها ترافقت مع إعلان البيض ل”للانفصال” عندما طلب وزير الخارجية أ. محمد سالم باسندوة في مذكرة رسمية ، احتفظ بها، موجهة إلى د. عصمت عبد المجيد أمين عام جامعة الدول العربية في ذات يوم إعلان البيض لجمهورية اليمن الديمقراطية في ٢١ مايو وكانت برقم ٠١/ ١٤٦ – ١٠٥ /٣، بإنهاء انتدابي للعمل في الجامعة العربية، أي فصلي، وعودتي إلى صنعاء. لم أتابع ماحدث لآخرين كانوا يعدون من أعداء الوطن أي النظام، وعملاء للجنوب في ذلك التاريخ أو مابعده.

و كان من العقوبات اتهامي بدعم الانفصال والترويج له في الصحف الهندية وهو مانفاه رسميا السفير راجح.

إعلان جمهورية اليمن الديمقراطية :
للدبلوماسي البريطاني نِول بِريهوني Noel Brehony الخبير المتميز في شؤرون اليمن تفسير مغاير للسائد في توصيف إعلان البيض ففي كتابه “اليمن المقسم Divided Yemen” , صفحة ١٩٦ ذكر أن إعلان البيض في ٢١ مايو لم يكن لقيام دولة انفصالية بل نظاما بديلا لليمن لأن البيض أسسه على وثيقة العهد والاتفاق المجمع عليها من كل الأطراف في عمّان في فبراير ١٩٩٤ وأن جمهورية اليمن الديمقراطية نواة لليمن الموحد.

الختام “: لقد حورب الجنوب والاشتراكي والوطنيين بإسم الشرعية الدستورية والوحدة اللتان انتهكتا حتى الرحيل القسري بثورة شعبية استمرت طوال عام ٢٠١١ لتاجر الحرب والسلاح عام ٢٠١٢.
كاتب يمني