نحو عقد اجتماعي جديد يقر بالتعددية

تعد القضية اليمنية اليوم واحدة من أعقد الملفات السياسية والإنسانية في العصر الحديث، ليس فقط بسبب تداخل القوى الإقليمية والدولية، بل بسبب تحجر الخطاب السياسي المحلي خلف ثنائيات صفرية مدمرة. لسنوات طويلة، حُصر العقل السياسي اليمني بين فكي كماشة: شعار "الوحدة أو الموت" من جهة، وشعار "الجنوب أو الموت" من جهة أخرى.

إن المراجعة النقدية العميقة تفرض علينا اليوم الاعتراف بأن هذه الشعارات، رغم حمولتها العاطفية والتاريخية، قد تحولت إلى عوائق أمام أي حل سياسي حقيقي، بل أصبحت وقوداً لاستمرار النزيف.

إن الخروج من نفق الأزمة يتطلب شجاعة سياسية لطي صفحة "الموت" كخيار، والبحث عن "الحياة" من خلال عقد اجتماعي جديد يرتكز على المصالح لا على الأيديولوجيات الجامدة.

لم يعد الصراع في اليمن مجرد نزاع بين مشروعين، بل أصبح ساحة لتشظي الهويات السياسية التي كانت مخفية تحت عباءة الشعارات الكبرى. إن بروز "الكتلة الشرقية" كلاعب سياسي واقتصادي مستقل، يضع المسمار الأخير في نعش الشعارات الصفرية ("الوحدة أو الموت" و"الجنوب أو الموت")، ويفرض واقعاً جديداً يتجاوز التقسيمات التقليدية.

أولاً: تصدع الكتل الصلبة وظهور الجغرافيا الاقتصادية
لسنوات، تم تصوير المشهد كصراع بين مركز في الشمال وتطلع للانفصال في الجنوب. لكن الحراك الأخير في حضرموت والمهرة وشبوة كشف عن حقيقة هامة: الجنوب ليس كتلة سياسية واحدة صلبة، بل هو تنوع جغرافي وثقافي واقتصادي يرفض استبدال مركزية بمركزية أخرى.

 حضرموت والشرق كبيضة القبان: تمتلك الكتلة الشرقية معظم الثروات النفطية والمساحات الجغرافية الاستراتيجية. مطالبة هذه المناطق بحكم ذاتي وإدارة مواردها تعني أن أي اتفاق سياسي قادم لا يحترم "خصوصية الشرق" سيكون وليداً ميتاً.

 سقوط الاحتكار السياسي: إن ظهور "مجلس حضرموت الوطني" وغيره من التكتلات الشرقية يثبت أن منطق "التفويض المطلق" لأي طرف لتمثيل الجنوب بأكمله قد ولى. هذا التعدد ليس ضعفاً، بل هو دافع للانتقال من شرعية السلاح إلى شرعية التوافق.

ثانياً: لماذا فشلت شعارات الموت أمام منطق المصالح؟
إن شعار "الوحدة أو الموت" فشل لأنه حاول فرض الاندماج بالقوة والقمع، وشعار "الجنوب أو الموت" بصيغته المتصلبة يواجه تحدي إقناع المكونات الشرقية بأن مصالحها ستكون محمية.

الحقيقة المرة: الشعوب في الشرق والغرب والشمال والجنوب سئمت تقديم التضحيات من أجل خرائط مرسومة، بينما هي تعيش خارج خارطة التنمية والخدمات.

 تغيير البوصلة: المصلحة اليوم تقتضي الاعتراف بأن "الإنسان هو السيادة". السيادة ليست في العلم الذي يرفرف فوق المبنى، بل في قدرة المواطن في "المكلا" أو "تعز" أو "مأرب" على العيش بكرامة وحرية.

ثالثاً: ملامح العقد الاجتماعي الجديد.. عقد المصالح والشراكة
في ظل بروز الكتلة الشرقية وتعدد مراكز القوى، يجب أن ينبني العقد الاجتماعي القادم على ثلاث ركائز:
 الاعتراف بالهويات المتعددة: الإقرار بأن اليمن يتكون من تكتلات (شرقية، غربية، شمالية، جنوبية) لكل منها خصوصيتها الاقتصادية والاجتماعية. 
هذا يتطلب نظاماً سياسياً "شديد اللامركزية" أو نظاماً "اتحادياً مرناً" يمنح الأقاليم سلطة القرار الكاملة على مواردها.

 الديمقراطية التوافقية: لا يمكن حكم اليمن أو الجنوب أو الشمال بمنطق "الأغلبية العددية" أو "الغلبة العسكرية". الحل يكمن في "شراكة تعاقدية" تضمن لكل إقليم حصته العادلة في السلطة والثروة بناءً على مساهمته وأهميته الجيوسياسية.

 تحويل الموارد من وقود للحرب إلى أدوات للربط: بدلاً من التنازع على من يسيطر على منابع النفط في شبوة وحضرموت، يجب أن يكون هناك اتفاق يضمن تدفق العوائد لتنمية تلك المناطق أولاً، ثم المساهمة في استقرار الجيران.

نحو سياسة الرفاه لا سياسة القلاع
إن طي شعارات الموت يعني الانتقال من عقلية "القلعة" التي تحمي حدودها، إلى عقلية "السوق والمجتمع" التي تفتح آفاق التعاون. إن بروز كتلة الشرق هو رسالة واضحة للجميع: لا يمكن فرض صيغة أحادية على اليمنيين بعد اليوم.

لقد حان الوقت ليرتفع صوت العقل فوق ضجيج البنادق، ولنبدأ صياغة رؤية سياسية تنظر إلى المستقبل بعيون الأجيال القادمة، لا بعيون ثارات الماضي. اليمن، بكل تنوعه، يستحق عقداً يحترم إرادة شعوبه ويضمن لهم مكاناً تحت الشمس بعيداً عن مقصلة "أو الموت".

العقد الاجتماعي الناجح هو الذي يرى في حضرموت شريكاً، وفي عدن منارة، وفي صنعاء ثقلاً، دون أن يلغي أحدهم الآخر. إنها دعوة للتفكير في "اليمن" ليس كأرض للقتال، بل كمشروع للعيش المشترك المبني على المصالح المتبادلة والاحترام الكامل لإرادة الشعوب في تقرير مصيرها وإدارة شؤونها.

مآلات غياب العقد الجديد.. من الدولة إلى الكانتونات المتصارعة

إن البديل الحتمي للفشل في صياغة عقد اجتماعي عادل هو التشظي المستدام؛ حيث لن يقتصر الأمر على تقسيم اليمن إلى شمال وجنوب، بل سنشهد بروز كيانات وهويات مناطقية وقبلية وعسكرية متنافرة (تشظي داخل التشظي). 

هذا الواقع سيحول الجغرافيا اليمنية إلى "بؤر استنزاف" دائمة، تسيطر عليها قوى غير خارجية، مما يؤدي إلى:
 تحول اليمن إلى ساحة فراغ أمني: إن تفتت الدولة إلى دويلات هشة سيجعل من الصعب السيطرة على الجماعات العابرة للحدود، مما يحول اليمن إلى منطلق لتهديدات إرهابية وشبكات تهريب دولية لا تفرق بين شرق وغرب.

تهديد خطوط الملاحة الدولية: في ظل غياب سلطة مركزية أو توافق إقليمي على إدارة السواحل، سيظل باب المندب والبحر الأحمر وبحر العرب عرضة للابتزاز السياسي والعسكري، مما يهدد عصب التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، ويفرض تكاليف باهظة على الأمن الدولي.

تصدير عدم الاستقرار للجوار: إن تشظي اليمن يعني بالضرورة تحوله إلى "مصنع للأزمات" التي ستعبر الحدود حتماً، سواء عبر موجات اللجوء البشري، أو من خلال تحول الأراضي اليمنية إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية بالوكالة، مما يقوض أمن واستقرار دول الجوار والجزيرة العربية برمتها.

خلاصة القول: إن العقد الاجتماعي الجديد ليس مجرد "خيار سياسي" للمفاوضين، بل هو ضرورة أمنية إقليمية ودولية. إن الحفاظ على استقرار المنطقة يبدأ من الاعتراف بأن يمن الشعارات قد انتهى، وأن بناء يمن المصالح والشراكة هو السبيل الوحيد لمنع سقوط المنطقة في دوامة من الفوضى التي لن ينجو منها أحد. 

إن المسؤولية التاريخية تحتم على الفاعلين المحليين والإقليميين دعم مسار يؤمن حقوق الإنسان والجهات قبل قداسة الحدود، لضمان مستقبل آمن ومستقر للجميع.