إستعادة الشمال واستقرار الجنوب.. معادلة المرحلة القادمة
بات من الواضح اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن التحالف العربي يعمل وفق رؤية مرحلية واضحة المعالم، عنوانها العريض: استقرار الجنوب أولًا، واستعادة الشمال ثانيًا، كمسارين متكاملين لا يتعارضان، بل يُمهّد أحدهما للآخر.
في الجنوب، لم تعد مؤشرات الاستقرار مجرد وعود أو عناوين إعلامية، بل تحوّلت إلى خطوات عملية يلمسها المواطن في تفاصيل حياته اليومية. توحيد القوات العسكرية والأمنية، وإعادة ترتيبها ضمن مؤسسات الدولة، أسهم في ضبط الأمن وفرض هيبة النظام، بعد سنوات من الفوضى والتشظي. صرف الرواتب أعاد شيئًا من الطمأنينة للموظف، وتحسن خدمة الكهرباء وإن لم تصل إلى الكمال – يعكس إرادة حقيقية لمعالجة الملفات الخدمية لا الاكتفاء بإدارتها مؤقتًا. كما أن تشغيل المطارات والموانئ شكل رسالة سياسية واقتصادية بأن الجنوب يُعاد إدخاله إلى دورة الحياة الطبيعية، لا كمنطقة حرب بل كمنطقة استقرار وبناء.
هذا الاستقرار لم يكن هدفًا بحد ذاته، بل خطوة ضرورية لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتجهيز الأرضية الصلبة للمرحلة الأهم وهي استعادة الشمال من تحت سيطرة الحوثي.
أما في الشمال، فإن المشهد وإن بدا جامدًا ظاهريًا، إلا أنه في عمقه يشهد تصدعات متسارعة. مشروع الحوثي اليوم لم يعد ذلك المشروع المغلف بالشعارات، بل بات مكشوفًا أمام الناس؛ سلطة أمر واقع، قائمة على القمع، ونهب الموارد، وتكريس الفقر، وتفكيك النسيج الاجتماعي. الحرب الطويلة استنزفت المجتمع، والحوثي لم يقدم نموذج دولة، ولا أفق سلام، بل عمق العزلة والخراب.
التحالف، في هذا السياق، لا يتعجل المواجهة العسكرية بقدر ما يعمل على إنهاك المشروع الحوثي سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وتهيئة لحظة الاستعادة بأقل كلفة ممكنة على الإنسان اليمني. فاستعادة الشمال لن تكون مجرد معركة عسكرية، بل عملية شاملة تبدأ بإعادة الثقة بالدولة، وخلق نموذج ناجح في المناطق المحررة، ليكون هو الجواب العملي على دعايات الحوثي.
إن ما يجري اليوم يؤكد أن المعركة لم تعد فقط في الجبهات، بل في إدارة الدولة، وتحسين الخدمات، وبناء المؤسسات. الجنوب المستقر هو رسالة للشمال بأن البديل موجود، وأن الدولة ممكنة، وأن زمن المليشيا إلى زوال مهما طال.
نحن أمام مرحلة مفصلية؛ إما أن نقرأها بوعي ونتعامل معها كفرصة تاريخية لإعادة بناء اليمن، أو نضيعها في صراعات جانبية تخدم خصوم الدولة. فاستقرار الجنوب ليس نهاية الطريق، بل بدايته، واستعادة الشمال ليست حلمًا مؤجلًا، بل نتيجة حتمية حين تسقط المشاريع الوهمية أمام مشروع الدولة الحقيقية.


