‏الليل في سلسلة جبال مبدار

لعل للنشأة شيئا من التأثير على تفكير الكاتب وأحاسيسه ومشاعره ووجدانه ؛ إذ نشأ الكاتب في كنف تلك الجبال الساحرة بجمالها ، الموحشة بخلوتها ، تنفس هواءها ، واستنشق عبق عبيرها ، وترعرع في أحضانها ، إن لذكرياتها آلام وآمال ، يصعب نسيانها أو حتى تجاوزها ، كيف أستطيع نسيان مساربي على تلك الجبال في الليالي المظلمة ؛ إذ يستوقفك فيها سماع قرع الحصا من أقدام السارب وهو على بعد فرسخ أو فرسخين ، الأمر الذي يستوقفك للحظات من الزمن وأنت في ذلك الظلام الحالك ، تسأل نفسك ثم تحاول أن تجيب ، أتلك القرعات من أقدام سارب أم من حركة ضباع أو ثعالب ، في الوقت الذي يخيم عليك السكون ، ويرافقك الهدوء ، المصحوب بالغدرة الموحشة ، وتحيط بك الظلمة من كل مكان ، ما أوحشها من ليال وما أروعها في الوقت نفسه ، يصحبك في سيرها الخوف ، ويزين خوفها السكون ، يفاجئك أحيانا طائر الخفاش بالطيران فجأة ، فترتعب من المفاجأة ، بل تشعرحينها أن قلبك قد طار معه ، وفي أحايين أخرى تسمع أنينا ، كأنه أنين شيخ مسن مريض ، تشعر وقتها أن روحك قد فارقتك فجأة جراء ذلك الأنين المتقطع ، ثم تعود إليك السكينة بعد أن تدرك أنه نعيق بوم   ... 

أما في ليالي تلك الجبال المقمرة فالأمر آخر ؛ إذ تسير وأنت مستنير بنوره ، مطمئنا بمرافقته ، فرحا بإضاءته ، لكن الأجمل من ذلك أن تجد السحب تزاحم البدر بغيرتها ، وتسابق نوره بظلمتها ، لكنه يسطع من خلالها ، ويبدد بنوره عتمتها، فتجده يرافقك في تلك السلسلة الجبلية كالمضيف حين يحتفي بضيفه ؛ إذ يبسط شقة من ضوئه الساطع على يمينك ،  وأخرى ضعيفة الضوء تشبه ظل الدوح على شمالك ، ثم يعود ويبسط تلك المضيئة أمامك ، والظليلة خلفك ، وكأنه في كرم يطغى على بخل تلك السحب السوداء ... 

إن السير ليلا في جبال بني مجيد ، التي تسمى سلسلة جبال مبدار أمر فيه من الروعة والجمال ، وفيه من الرهبة والخيال ، ما تعجز ريشة الكاتب عن رسمه ، وتخفق عدسة بصره عن تصويره في هذه العجالة ...