حرية الرأي والتعبير: جوهر الكرامة الإنسانية وأساس الاستقرار المجتمعي
بقلم: _منصور بلعيدي_
في زمن تتسارع فيه التحولات السياسية والاجتماعية، وتتعالى فيه الأصوات المطالبة بالحقوق والعدالة، تبرز حرية الرأي والتعبير كأحد أقدس الحقوق الإنسانية، وأهم ركائز المجتمعات الحرة والمتحضرة.
هذا الحق، الذي نرى بأنه "حق إنساني أصيل منذ بدء الخليقة"، ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية تحفظ للإنسان كرامته، وللمجتمع توازنه.
أن حرية التعبير لا تعني الفوضى، ولا تبرر التخريب أو العنف، بل هي وسيلة حضارية للتعبير عن الرأي والمطالبة بالحقوق ورفع المظالم.
فالمجتمعات التي تفتح المجال أمام مواطنيها للتعبير بحرية، هي المجتمعات التي تنمو وتزدهر، بينما تلك التي تقمع الكلمة وتخنق الأصوات، تزرع بذور الانفجار والانهيار.
الإسلام الحنيف أرسى هذا المبدأ، حين جعل الكلمة الطيبة صدقة، ورفع من شأن النصيحة، واعتبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صميم مسؤوليات الفرد تجاه مجتمعه. لكن هذه الحرية، كما يوضح، يجب أن تُمارس بوعي ومسؤولية، بعيدًا عن التحريض أو الإساءة أو المساس بالسلم الأهلي.
في زمن تعددت فيه الأقلام وكثرت فيه المنابر لكن "لا قيمة لقلم فاخر إن كان ما يخطه حرفًا قبيحًا" مايعني ان أهمية المضمون تفوق على الشكل، والنية على المظهر.
فالثياب البيضاء لا تطهر قلبًا أسود، والكلمات لا تكتسب قيمتها من بلاغتها فقط، بل من صدقها ونبل غايتها.
*ما أعظم أن يكون الإنسان حرًا في زمن العبيد، وشامخًا في زمن الانحناء* ذلك قول بليغ يوصف حال من يتمسك بمبادئه في وجه التيارات الجارفة، ويصر على قول الحق في زمن يسوده النفاق والرياء.
إن حرية الرأي ليست مجرد شعار يُرفع، بل مسؤولية تُمارس. فالمجتمعات التي تحترم هذا الحق، تضع له أيضًا ضوابط تحميه من الانزلاق إلى الفوضى أو التحريض. فالكلمة قد تكون دواءً يشفي، أو سيفًا يجرح، والفرق بينهما يكمن في النية والوعي.
وفي ظل ما يشهده العالم من أزمات وصراعات، تزداد الحاجة إلى خطاب عقلاني، متزن، يحترم التعدد، ويؤمن بأن الاختلاف لا يعني العداء، وأن التعبير عن الرأي لا يكون بالشتائم أو التخريب، بل بالحجة والمنطق والكلمة الطيبة.
حرية الرأي والتعبير ليست فقط حقًا قانونيًا أو مطلبًا سياسيًا، بل هي انعكاس لجوهر الإنسان وكرامته.
ومتى ما اقترنت هذه الحرية بالمسؤولية أصبحت أداة بناء لا هدم، وجسرًا نحو مجتمع أكثر عدلًا وسلامًا..


