السعودية والدعم الحقيقي في زمن الأزمات
قلم: د.عبدالرقيب الحيدري
في لحظات الأزمات الكبرى، تتكشف حقيقة المواقف بعيدًا عن الخطاب، ويصبح الفعل هو الفيصل الوحيد بين من يتعامل مع الشعوب بوصفها مسؤولية، ومن يراها مجرد ملف مؤقت، واليمن، خلال سنوات الحرب والانقلاب، كان مسرحًا واضحًا لهذا الاختبار.
منذ اندلاع الأزمة، لم تتعامل المملكة العربية السعودية مع اليمن بمنطق المراحل أو الحسابات الضيقة، بل انطلقت من فهم أعمق لطبيعة العلاقة التاريخية والإنسانية، ومن إدراك أن انهيار اليمن، خاصة في قطاعاته الحيوية، ليس خطرًا على اليمنيين وحدهم، بل على المنطقة بأكملها.
الصحة في مقدمة الأولويات
كان القطاع الصحي من أكثر القطاعات تضررًا بفعل الانقلاب الحوثي، حيث تعرضت المنشآت الصحية للتدمير، وتوقفت سلاسل الإمداد، وهاجرت الكوادر، ووجد المواطن نفسه أمام معادلة قاسية: المرض في ظل غياب الدولة. ومع ذلك، استمرت الخدمات الإنسانية في عدد من المستشفيات، خصوصًا في محافظتي صعدة وحجة، بدعم سعودي واضح، رغم خطورة العمل وتعقيد المشهد.
في تلك المناطق، لم يكن الاستمرار في تقديم الرعاية الصحية أمرًا سهلًا أو مضمون النتائج، لكنه عكس قرارًا أخلاقيًا وسياسيًا مفاده أن الخلافات لا يجب أن تُترجم إلى عقاب جماعي، وأن حق الإنسان في العلاج لا يخضع للمساومات.
بين الالتزام والانسحاب
ومع انتقال الاهتمام إلى المحافظات المحررة، برزت فجوة واضحة بين الوعود والتنفيذ في ملفات خدمية حساسة، وعلى رأسها الصحة والكهرباء. فقد شهدت مشاريع في سقطرى والمهرة وشبوة تعثرًا أو انسحابًا بعد أن كانت محط تعهدات، خصوصًا من قبل الإمارات العربية المتحدة، وهو ما ترك أثرًا مباشرًا على حياة المواطنين وأعاد تلك الملفات إلى نقطة البداية.
في هذا التوقيت، تدخلت المملكة مرة أخرى، وتولت تمويل وتشغيل مشاريع إنسانية وصحية كانت مهددة بالتوقف، في خطوة عكست فرقًا جوهريًا بين من يعتبر الدعم مسؤولية مستمرة، ومن يتعامل معه كدور مؤقت ينتهي بتغير الأولويات.
الكهرباء والصحة.. معيار الجدية
لا يمكن الحديث عن خدمات صحية مستقرة دون كهرباء، ولا عن تنمية دون استدامة. وقد أثبتت التجربة أن بعض التدخلات افتقرت إلى الرؤية طويلة المدى، فغابت الاستمرارية، وتُركت المجتمعات تواجه أعباء إضافية.
في المقابل، بدا النهج السعودي أكثر واقعية وثباتًا، قائمًا على استيعاب صعوبة الواقع اليمني، والاستمرار في المشاريع رغم التعقيدات، لأن الانسحاب في هذه الملفات لا يعني فشل مشروع فحسب، بل يعني مضاعفة معاناة الناس.
خلاصة القول
اليمنيون، ببساطتهم وذاكرتهم الحية، يميزون جيدًا بين من بقي معهم في أحلك الظروف، ومن غادر حين أصبح المشهد أكثر تعقيدًا. وبين التجربتين، تتشكل قناعة راسخة بأن الدعم الحقيقي لا يُقاس بحجم الضجيج الإعلامي، بل بعمق الالتزام واستمراريته.
وفي هذا السياق، يظل الدور السعودي في اليمن، خاصة في القطاع الصحي والإنساني، نموذجًا لدولة اختارت أن تتحمل الكلفة، وأن تمد يدها دون تردد، وأن تثبت أن الأخوّة ليست شعارًا، بل موقف يُختبر حين تشتد الأزمات.
* وكيل وزارة الصحة العامة والسكان


