ليتني لم أعد ....
بقلم: أ.د مهدي دبان
هناك أشياء كثيرة هُدمت بالحرب، لكن أخطرها على الإطلاق كان أسس التعليم. ذلك البناء الهادئ الذي بدأت الجامعات تضع لبناته الأولى بابتعاث أعداد كبيرة من أبنائها إلى جامعات العالم، ليتلقوا المعارف الحديثة، ويعودوا حاملين مشاعل التطوير والحداثة ومواكبة كل جديد. ولحسن حظي، كنت أحد أولئك المبتعثين. انغمست في مجال صناعة الأغشية الرقيقة التي تدخل في تصميم جميع الأجهزة الإلكترونية والكهربائية؛ في خزن المعلومات واسترجاعها، وفي تحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة كهربائية. كنا مخلصين – بإذن الله – إلى أبعد الحدود، نحرص على الاستفادة من كل ما هو متاح لنا من مختبرات، وأساتذة، ومراسلات مع المجلات العالمية. أكملت الدكتوراه في المدة المحددة، وعدت محملا بالعلم والطموح… لكنني عدت، وليتني لم أعد.
عدنا قبيل اندلاع الحرب اللعينة التي أكلت الأخضر واليابس، وأهدرت الأرواح والأحلام معا. حرب جعلتنا نلف حول أنفسنا بحثا عن لقمة العيش، دون أن نلتفت إلى ما تعلمناه أو ما كنا نحلم أن نقدمه. أصبحنا نبحث عن أي عمل يسد الاحتياجات الأساسية، وحوربنا في كل شيء، حتى رواتبنا. أكلوا ما تبقى من وجه الدولة بعد أن نهشوا أحشائها، وتركوا العقول تذبل في الظل. خسارتنا كبيرة، لكن حسرتنا أكبر؛ حسرة على أحلام وآمال كنا نتوق إليها، وعلى وطن كان يمكن أن ينهض بالعلم، فاختاروا له أن ينكسر تحت ركام الحرب.


