الحوار الجنوبي - الجنوبي : قراءة في الأهداف والمخاطر ..!
لا يمكن النظر إلى الحوار الجنوبي – الجنوبي المزمع عقده في الرياض بمعزل عن السياق السياسي الإقليمي والدولي، ولا بعيداً عن تاريخ طويل من الاستهداف المنهجي للجنوب العربي أرضاً وإنساناً وقضية.
فالصورة التي يراد تسويقها خارجياً من هذا الحوار، وفق صيغته الحالية، ليست سوى محاولة لإظهار الجنوبيين كشعب منقسم، عاجز عن إدارة شؤونه، وأن أي مسار نحو فك الارتباط أو استعادة الدولة سيقود حتماً إلى صراع داخلي واقتتال بين أبنائه.
إن هذا الحوار، كما يدار اليوم، محفوف بالألغام السياسية، ويغذي الخلافات بدل معالجتها، ويزرع بذور الفتنة داخل الصف الجنوبي، ضمن مخطط واضح لتفتيت الجنوب وإضعاف قضيته العادلة، ويأتي ذلك في سياق تفاهمات إقليمية يمنية–سعودية لا تنطلق من تطلعات الشعب الجنوبي في الحرية والكرامة وبناء دولته المستقلة، بقدر ما تنطلق من حسابات المصالح والنفوذ.
فالمملكة العربية السعودية، وفق معطيات الواقع، تنظر إلى حضرموت باعتبارها عمقاً اقتصادياً واستراتيجياً، في حين لا تزال قوى يمنية نافذة تنظر إلى الجنوب كغنيمة سياسية لا يجوز التفريط بها، وإن تعذر فرض السيطرة على الجنوب كاملاً، يصبح خيار تفجير الخلافات الداخلية وتمزيق النسيج الاجتماعي بديلاً جاهزاً، وصولاً إلى مشاريع فصل أو تقسيم تدار من خلف الستار، وتنفذ عبر أدوات محلية معروفة، وتغلف بعناوين براقة لا تعكس حقيقتها.
والمفارقة المؤلمة أن بعض القوى تروج لمعادلة سياسية مختلة..
فإن استمرت وحدة الظلم والتهميش كانوا من أنصارها، وإن فرض خيار الأقاليم سعوا لإقليم خاص بهم، وإن لاحت فرصة دولة مستقلة حاولوا احتكارها لأنفسهم، وهي سياسات لا تعبر عن إرادة شعبية حرة، بل تفرض عبر إملاءات حزبية وأجندات اعتادت الاستثمار في الفوضى والانقسام.
الأخطر من ذلك أن بعض الجنوبيين لا يزالون يراهنون على دور“المنقذ الخارجي”، ويحسنون الظن بأطراف لم تثبت مواقفها العملية أنها تقف بصدق مع الحق الجنوبي، غير مدركين أن الارتهان للخارج لا يبني وطناً، بل يفتح أبواب الوصاية والابتزاز، ويصادر القرار الوطني المستقل.
لقد بات إشعال الفتنة في الجنوب، وبث الكراهية بين أبنائه، خياراً مطروحاً بعد فشل محاولات إحداث أي اختراق حقيقي في الشمال، والهدف هو تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية ضيقة، ولو على حساب استقرار الجنوب ومستقبله، مع تسويق “نصر وهمي” يرضي مراكز نفوذ حزبية معروفة.
إن ما يخشى اليوم أن يكون الحوار الجنوبي–الجنوبي نسخة مكررة من تجارب سابقة، لا تقل عبثية عن مؤتمر الحوار الوطني الذي عقد في صنعاء، حيث استنزف الوقت في نقاشات شكلية، قبل أن تفرض مخرجات جاهزة خدمت بها مصالح إقليمية وشركات نفط وغاز، بعيداً عن إرادة الشعوب.
وما يزيد القلق هو الدفع بممثلين عن حضرموت والمهرة ككيانات منفصلة عن الإطار الجنوبي العام، في خطوة خطيرة تحمل دلالات سياسية عميقة، وتمهد لفصل هذه المناطق عن خارطة الجنوب، وفق حسابات ومصالح لا تخفى، الأمر الذي يهدد وحدة الموقف الجنوبي ويضعف قضيته في المحافل الإقليمية والدولية.
وخلاصة القول، إن ما يجري اليوم لا يبدو حواراً من أجل الجنوب، بقدر ما هو محاولة لإظهاره أمام الرأي العام ككيان عاجز عن أن يكون دولة، ومبرر جاهز لإدامة الوصاية عليه بأشكال جديدة.
إن أي مشروع لا ينطلق من الإرادة الحرة لشعب الجنوب، ولا يحترم تضحياته، ولا يضع مصلحته فوق كل اعتبار، هو مشروع مشبوه، مهما كان غلافه أنيقاً، ومهما رفع من شعارات براقة.
وعليه، فإن المسؤولية التاريخية تفرض على كل جنوبي حر وشريف أن يقرأ المشهد بوعي، وأن يتمسك بوحدة الصف، وأن يرفض أي مسار يفرض عليه من الخارج أو يصاغ بعيداً عن تطلعاته المشروعة.. فالجنوب قدم تضحيات جسيمة، ولن يقبل بأنصاف الحلول، ولن تكون تلك الدماء مجرد رقم في حسابات السياسة..!!
يبقي الجنوب كما عهدناه حراً أبياً شامخاً لا ينكسر.


