محمد علي أحمد: عقلية الدولة وإرادة الشعب
بقلم: د. مرسي أحمد عبدالله
في تاريخ الشعوب، تبرز أسماء تتجاوز صفتها القيادية لتصبح "رموزاً وطنية" تُستلهم منها الدروس في الثبات والذكاء السياسي. وحين نتحدث عن المناضل محمد علي أحمد، فإننا لا نتحدث فقط عن قائد من الرعيل الأول، بل عن شخصية استثنائية استطاعت أن تجمع بين حزم القيادة ولين الانتماء للناس، وهو ما جعل شعبيته واقعاً ملموساً لا يختلف عليه اثنان، سواء اتفقوا معه سياسياً أو اختلفوا.
إن "أبو سند" ليس مجرد اسم في خارطة النضال الجنوبي، بل هو "العقلية السياسية" التي أدركت مبكراً أن حقوق الشعوب لا تُوهب بل تُنتزع بالحق والمنطق وقوة الالتفاف الشعبي. لقد تميز بذكاء فطري وقدرة فائقة على قراءة الرمال السياسية المتحركة، وهو ما تجلى بوضوح في رئاسته لـ "مؤتمر شعب الجنوب"، حيث كان صوتاً جسوراً لا يداهن في قضية شعبه، ومفاوضاً شرساً يضع "السيادة" فوق كل اعتبار.
ما يميز هذا المناضل الكبير هو أنه ظل "ابن الأرض"؛ لم تفصله المناصب عن الجماهير، ولم تغيره التحديات عن ثوابته. إن فخري به كفرد من عائلتي يمتزج بفخري به كجنوبي يرى فيه نموذجاً للقائد الذي يمتلك "الكاريزما" والتأثير، والقدرة على جمع الصفوف في أحلك الظروف. إنه القائد الذي يدرك أن قوة الجنوب تكمن في وحدته، وأن المستقبل يُبنى بالكفاءات وبالعدالة التي ترفض المناطقية والإقصاء.
إن وجود هامات وطنية بهذا الحجم يمنحنا الثقة بأن قضيتنا في أيدٍ أمينة، وأن الإرادة التي يمثلها محمد علي أحمد هي امتداد لإرادة الملايين التي تملأ الساحات اليوم. هو مدرسة في النضال، وسجل حافل بالتضحية، وشخصية ستبقى ملهمة للأجيال المتعاقبة في كيفية الموازنة بين "الصلابة في الحق" و"الذكاء في الممارسة".
ستبقى يا أبا سند رمزاً نعتز به، ومنارةً نهتدي بها في دروب استعادة الحق والكرامة.


