حضرموت… قاطرة لا مقطورة

تدخل حضرموت اليوم مرحلة مهمة من تاريخها السياسي والوطني، مرحلةً تتقاطع فيها التحديات مع الفرص، وتتقدم فيها الإرادة الحضرمية لتقول كلمتها بوضوح : حضرموت ليست هامشاً تابعاً، ولا رقماً يُستكمل به مشروع الآخرين، بل هي كيان تاريخي وجغرافي وإنساني يمتلك من المقومات ما يؤهله ليكون قاطرة تقود، لا مقطورة تُسحب.

إن ما يلوح في الأفق من بشائر إيجابية يعكس حراكاً سياسياً متنامياً، ووعياً متقدماً بحجم اللحظة، ويؤكد أن حضرموت باتت أقرب من أي وقت مضى إلى استعادة موقعها الطبيعي، بعيداً عن الوصاية، ومنفصلةً عن مشاريع الهيمنة التي أثقلت كاهلها لعقود.

ولا خلاف على كفاءة من يمثل حضرموت في هذه المرحلة الحساسة؛ فالحضارم فيهم أكفاء بالمسؤولية، مدركون لتعقيدات المشهد. غير أن مقتضيات السياسة تفرض عليهم — وهم متجهون إلى طاولات الحوار — أن يتركوا جانباًً الطيبة المفرطة والتسامح غير المحسوب، وهي صفات أخلاقية نبيلة عُرف بها الحضارم، لكنها لا تصلح أن تكون أداة تفاوض حين تكون الحقوق التاريخية على المحك.

ففي السياسة، لا مكان للعواطف، ولا مجال للتنازلات المجانية. وما تعيشه حضرموت اليوم هو فرصة تاريخية نادرة قد لا تتكرر، لتثبيت حقها المشروع في تقرير مسارها، وصياغة مستقبلها وفق إرادة أبنائها، لا وفق أجندات تُفرض عليها أو تُمرر تحت عناوين براقة.

ومن الضروري أن يكون الخطاب الحضرمي في أي حوار واضحاً ؛ فمشروع حضرموت يختلف جذرياً عن مشاريع الآخرين، وهو مستقل في رؤيته وأهدافه وأولوياته، ولا يقبل الذوبان أو التبعية أو الاندراج القسري تحت أي مظلة لا تعبر عن تطلعات أبناء حضرموت.

و بيد الحضارم عوامل قوة كثيرة، ولا يمكن - هنا - إغفال الموقف الصادق والتاريخي للأشقاء في المملكة العربية السعودية، الذين وقفوا - ولا يزالون - إلى جانب الحق، وأسهموا في حماية حضرموت من الوقوع مجدداً في شباك الهيمنة، وإعادة إنتاج الأزمات تحت مسميات جديدة. وهو موقف يعكس حرصاً على الاستقرار، ودعماً لخيارات الشعوب، واحتراماً لخصوصية الجغرافيا والتاريخ.

إن حضرموت اليوم أمام اختبار وطني حقيقي؛ إما أن تحسن قراءة اللحظة، وتتمسك بحقوقها بثبات وحكمة، فتكون قاطرة المستقبل، أو أن تتردد فتُجرّ مرةً أخرى لتكون مقطورة في مسار لا يخدمها.. والتاريخ لا يرحم المترددين..