الخدمة العامة رهينة الصراع السياسي
بقلم: أ.د مهدي دبان
العمل السياسي في بلادنا لا يسير في مساره الطبيعي، بل يختلط بالعمل التنفيذي اختلاطا مربكا، وهذا في حد ذاته مشكلة كبيرة، بل طامة كبرى. فالسياسة حين تتسلل إلى الإدارة والخدمات لا تأتي غالبا بروح الرؤية أو المشروع الوطني، بل بهدف تمرير مشاريع سياسية عبر أدوات تنفيذية، والسيطرة على مفاصل الدولة وخدماتها العامة. عندها تتحول المؤسسات من فضاءات لخدمة الناس إلى أدوات نفوذ، ويصبح المواطن آخر ما يُفكر فيه، وتغدو حاجاته اليومية وقودهذا الصراع الصامت. هنا تفقد الدولة معناها، وتتحول الوظيفة العامة من أمانة إلى غنيمة، ومن مسؤولية إلى وسيلة.
لقد تطور العالم لأنه أدرك مبكرا أن التقدم الحقيقي يبدأ بالفصل الواضح بين الحكومة والعمل السياسي. وحتى إن افترضنا أن حزبا معينا كان مخولا بتشكيل الحكومة، فإن الرهان الحقيقي لا يكون على الولاء، بل على الكفاءة. يختار أفضل عناصره وأكفأهم لشغل العمل التنفيذي، لا ليُحكم السيطرة، بل ليبرهن للناس أنه يهتم بأمورهم ومصالحهم. فالحكومة الناجحة لا تُقاس بعدد الشعارات، بل بقدرتها على تخفيف معاناة الناس، وبصدقها في تحويل السلطة من أداة صراع إلى وسيلة بناء، ومن حلم حزبي ضيق إلى أفق وطني واسع.


