لكنهم عظماء
عرفت كثيرا من الناس ، وجدتهم فقراء ، وبسطاء ، ويعيشون البؤس بأشكاله المتعددة ، جارت عليهم الحياة ، بل عاملتهم معاملة الغرباء ، وقست عليهم قساوة الطغاة والأعداء ، تنكر لهم الأقرباء ، وتأفف منهم السفهاء ، لكن معدنهم الأصيل لم يتغير ، ولم يفتتن بتقلبات الدهر ...
من أولئك العظماء رجل بسيط في هيئته ، متواضع في منظره ، رافقني في المنفى الطويل ، وعاد بمعيتي إلى الوطن وهو ذلك الطيب الأصيل ، تملكه الشقاء ، ونال منه الفقر ، لكنه ظل يحمل عصا الصبر ، افتقد ولده الوحيد ، ورحل عنه زوجه المواسي والودود ، ومع ذلك كله ظل ذلك الصابر المحتسب ...
فارقت بيني وبينه الأيام ، وتعقيدات الحياة ، لكننا بقينا نسأل عن بعض ، ونشتاق لبعض ، بل ندعوا الله في غسق الدجى أن يجمعنا ذات يوم ، وأن يبدد فرقتنا ، ويسهل لقاءنا في أقرب وقت .
شددت الرحال نحوه ذات يوم حتى وصلت إلى منزله المتواضع ، الذي يتكون من غرفة واحدة ، طولها لايزيد عن ثلاثة أمتار وعرضها أقل من مترين ، مبنية من الحجارة ، وسقفها شيء من الأخشاب يعلوها التراب ، لكنني لم أجده ؛ إذ أخبرني جيرانه بأنه انطلق مبكرا سيرا على الأقدام لزيارة أرحامه خلف سلسلة جبال مبدار ...
واليوم فاجأني بهذا البيت الشعري ، أرسله إلي عبر شبكة التواصل الاجتماعي بوساطة أحد أقربائي :
من حبني يا اخواني يسامحني ** وان طالت المدة بخت يلقاني
تألمت كثيرا عندما قرأت بيته الشعري ، وحزنت حزنا لا أستطيع وصفه ، انهمرت الدموع ، ونزف القلب ، وتشوش الفكر ، كيف لا أحزن وهو يطلب منا أن نسامحه إن كان في أنفسنا إصر عليه ، فالزمن ربما لايسعفه حتى نلتقي ...


