الحوار الجنوبي ومخاطر تدوير الصراع وترحيله من جديد

تمهيد: لحظة تأسيس أم إعادة إنتاج للصراع؟
إن استدعاء منطق الإقصاء في لحظة يُفترض أن تكون لحظة تأسيس وطني لا يمثّل مجرد انحراف لغوي أو سوء تقدير سياسي، بل يكشف عن بنية ذهنية ترى في التعدد خطرًا لا موردًا، وفي الاختلاف تهديدًا لا فرصة. وهنا يصبح “تلغيم الشمولية” عبر فرض معايير فرز عدائي مسبق، مسارًا يعيد إنتاج الصراع بدل إغلاقه، ويؤسس لدورات جديدة من العنف السياسي، ويُدخل المجتمع مجددًا في حلقة مفرغة من عدم الثقة والتوجس.
ستة عقود من التجربة الجنوبية تؤكد أن الأزمة لم تكن في غياب المشاريع أو ندرة الطموحات، بل في اختزالها داخل نخب وكيانات ادّعت امتلاك الحقيقة واحتكار التمثيل، وحوّلت السياسة إلى صراع صفري، والدولة إلى غنيمة. ومع كل جولة صراع، كانت فرص بناء الدولة تتآكل لصالح إعادة توزيع النفوذ بالقوة.

الرياض والبعد الإقليمي: حين تلتقي الفرصة بالمسؤولية
إن انعقاد مؤتمر الحوار الجنوبي في الرياض يكتسب دلالة استراتيجية تتجاوز المكان إلى المعنى. فالمملكة العربية السعودية كانت وما تزال صاحبة الأيادي البيضاء والداعم الأكبر لاستعادة الدولة اليمنية سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا وإنسانيًا، كما شكّلت، بمساندة الدول العربية الشقيقة، مظلةً إقليمية حالت دون سقوط اليمن بالكامل في قبضة المشروع الإيراني.
واستضافة الرياض لهذا الحوار تعبّر عن إدراك عميق بأن معالجة القضية الجنوبية ليست ترفًا سياسيًا، بل شرطًا لازمًا لأي سلام مستدام، وبأن توسيع قاعدة التمثيل هو الطريق الوحيد لإغلاق دوّامات العنف والانقسام، وربط الجنوب بمسار وطني جامع من باب المندب إلى الخليج العربي.

من إدارة الصراع إلى إعادة إنتاجه: صراع داخل الصراع
لم تُدار الخلافات الجنوبية، تاريخيًا، عبر أطر مؤسسية جامعة، بل جرى تصفيتها بمنطق الغلبة والإقصاء، ما قاد إلى دورات عنف متكررة عطّلت أي إمكانية لبناء عقد اجتماعي جامع. وهكذا ظلّت النخب تتصارع على “تمثيل القضية” بدل التنافس على بناء الدولة، فتحوّلت القضية ذاتها إلى ساحة صراع موازٍ للصراع الأصلي، أو ما يمكن تسميته بـ الصراع داخل الصراع؛ حيث يُعاد إنتاج الاستقطاب داخل الإطار الذي يُفترض أنه أداة تسوية.
في هذا السياق، لا يعود الخلاف على البرنامج أو الرؤية، بل على من يحتكر تعريف القضية ومن يملك حق الحديث باسمها. ومع كل محاولة لفرض وصاية تمثيلية، تتقلّص المساحة العامة المشتركة، ويتحوّل الحوار من أداة لإعادة بناء الثقة إلى ساحة مواجهة غير مباشرة. وهنا يُربط مفهوم الشرعية بموازين القوة لا بقدرة الأطراف على إنتاج حكم رشيد، وتُستبدل المنافسة السياسية بإقصاء متبادل يُضعف أي إمكانية لتراكم مؤسسي. إن الانتقال الحقيقي اليوم لا يكمن في تبديل الوجوه أو إعادة توزيع المواقع، بل في التحوّل البنيوي من إدارة الصراع إلى هندسة الدولة، ومن منطق السيطرة والغلبة إلى منطق التوافق المؤسسي القائم على قواعد جامعة تُدار فيها الاختلافات بدل أن تُفجَّر.

الإقصاء كمنهج: تلغيم الشمولية وتفخيخ التهيئة
حين تُطرح “ضوابط” تقوم على فرز الهويات، وتجريم الانتماء السياسي السابق، واستبعاد من خدموا في مؤسسات الدولة، وربط الشرعية بتزكيات انتقائية، فإننا لا نكون أمام تنظيم للحوار، بل أمام هندسة إقصاء مسبق تعيد تدوير البنية العميقة التي فجّرت الصراعات السابقة، وتمنح منطق الفرز صفة القاعدة بدل أن يكون الاستثناء.
هذا النوع من الخطاب لا يحمي المسار من “الاختراق”، بل يلغّم مرحلة التهيئة نفسها، ويفتح الباب أمام تفخيخ الحوار قبل انطلاقه، ويُنتج خوفًا سياسيًا يدفع الأطراف إلى التمترس بدل الانخراط. كما أنه يعيد تعريف الانتماء بوصفه شبهة لا حقًا، ويحوّل الاختلاف إلى جريمة رمزية. فالحوار لا يُبنى على تطابق الهويات، بل على إدارة التنوّع ضمن قواعد متكافئة، حيث يُعلّق المشارك ولاءه التنظيمي أثناء المسار، لا حقه في المشاركة. وكل مسار يبدأ بهذا النوع من الفرز، لا يؤسس للتوافق، بل يزرع بذور صراع مؤجّل يُستعاد عند أول اختبار سياسي أو أمني.

الدولة ليست غنيمة: اختبار الشرعية والانتقال المؤسسي
الخطر الأكبر في منطق الإقصاء أنه يعيد تعريف الدولة بوصفها كيانًا معاديًا، أو غنيمة يجب انتزاعها، لا إطارًا جامعًا للجميع. ولهذا فشلت تجارب الاستقرار السابقة: لأن الدولة لم تُبنَ باعتبارها ملكًا عامًا، بل أداة سيطرة لطرف على آخر، ما رسّخ انعدام الثقة وأبقى المجتمع في حالة تعبئة دائمة ضد الآخر.
الدولة الاتحادية العادلة لا تُبنى بتوافقات هشّة ولا بفرز مسبق، بل بعقد اجتماعي يربط المركز بالأطراف، والسلطة بالمواطن، والشرعية بالعدالة، ويحوّل التنوع إلى مورد سياسي لا تهديدًا أمنيًا. واختبار الدولة هنا لا يتمثل في توقيع الاتفاقات، بل في القدرة على تحويلها إلى قواعد مؤسسية دائمة، وإخضاع الجميع لمرجعية القانون لا لسطوة الواقع المفروض. فبدون هذا الانتقال المؤسسي، تظل أي تسوية مجرّد هدنة قابلة للانهيار عند أول اختبار جدي، وتبقى السياسة أسيرة إدارة الأزمات بدل بنائها على قواعد مستدامة.

خاتمة مركّبة: الشمولية كضمانة سياسية وأفق وطني
الشمولية لا تعني تمييع القضايا، ولا مكافأة من أضرّوا بها، بل تعني أن لا أحد يُقصى بسبب رأيه أو تاريخه أو موقعه السابق، ما دام يلتزم بقواعد المسار السلمي والتمثيل المتكافئ. وهي وحدها القادرة على نزع شرعية العنف، وتفكيك منطق التخوين، وتحويل الخصومة من صراع وجود إلى تنافس سياسي مشروع، يَحتكم إلى صناديق السياسة لا ساحات الغلبة.

أيُّ حوارٍ يبدأ بالإقصاء سينتهي بالانقسام، وأيُّ مسارٍ يُبنى على الفرز سينهار عند أوّل اختبار. أمّا الحوار الشامل، برعايةٍ إقليميةٍ حكيمة وإرادةٍ وطنيةٍ مسؤولة، فهو وحده القادر على إغلاق ملفّ ستة عقود من الصراع، وفتح أفقٍ جديدٍ لجنوبٍ يتّسع لكل أبنائه، ويمتلك الثقة والمبادرة للانتقال بالحوار والتوافق إلى مسارٍ وطنيٍّ يمنيٍّ شامل، يؤسّس لقيام الكيان الوطني الجامع بدولته الاتحادية الفيدرالية، التي تتّسع بكل رحابة لجميع مواطنيها، على أساس دولة سلطة القانون والمواطنة، لا منطق المحاور والغلبة.
وعندها فقط يمكن لليمن أن ينتقل من ساحة استنزاف إلى شريك استقرار، وأن ينفتح أمامه باب الاندماج الاقتصادي والاجتماعي في فضاء إقليم الجزيرة والخليج.