إيران بلا رؤوس وواشنطن ترسم ملامح الزلزال
لم تعد إيران كما كانت، ولم تعد المنطقة تحتمل مزيدًا من الأقنعة. ما يجري اليوم ليس تصعيدًا تقليديًا، بل مرحلة انكشاف كبرى لمشروع تمددٍ وظل لسنوات يتغذى على الفوضى والميليشيات وغياب الدولة. إيران اليوم تبدو بلا رؤوس واضحة، تتخبط في إدارة أذرعها، وتفقد القدرة على التحكم في مساراتها، بينما ترسم واشنطن بهدوء ملامح زلزال سياسي وأمني سيغير شكل الإقليم.
لسنوات، اعتمدت طهران على سياسة الحرب بالوكالة، توزع السلاح والشعارات، وتترك الدم يُراق في العواصم العربية، من بغداد إلى دمشق، ومن بيروت إلى صنعاء. لكن هذه السياسة وصلت إلى حائط مسدود.
القيادات تُستنزف، الخطاب يفقد بريقه، والحاضنة الشعبية تتآكل، بينما تتحول الميليشيات من أدوات ضغط إلى عبء ثقيل يصعب ضبطه.
في المقابل، تتحرك واشنطن بمنطق مختلف. لا ضجيج، لا شعارات، بل إعادة ترتيب للأوراق، وبناء توازنات جديدة، وترك الخصم يستهلك نفسه بنفسه. الولايات المتحدة لا تسعى لحرب شاملة، لكنها أيضًا لم تعد مستعدة لقبول فوضى دائمة. ما يجري هو هندسة مرحلة: تضييق اقتصادي، تفكيك نفوذ، وإعادة تعريف اللاعب المقبول في المنطقة.
الزلزال القادم لن يكون عسكريًا فقط، بل سياسيًا بالدرجة الأولى. سقوط فكرة المقاومة بوصفها غطاءً للهيمنة، وتراجع قدرة إيران على فرض شروطها، سيعيد فتح ملف الدولة الوطنية، ويمنح الشعوب فرصة وإن كانت مؤلمة لإعادة التفكير في مسارها، بعيدًا عن المشاريع العابرة للحدود.
اليمن، كغيره من ساحات الصراع، ليس بعيدًا عن هذا المشهد. الميليشيات التي راهنت على الزمن وعلى الخارج، ستكتشف أن الوقت لم يعد في صالحها، وأن العالم لا ينتظر من يرفض السلام ويصادر الدولة. معادلة المرحلة واضحة: إما الانخراط في تسويات تعيد الاعتبار للدولة، أو السقوط تحت أنقاض مشروع انتهى صلاحيته.
إيران بلا رؤوس، لأن المشروع نفسه فقد بوصلته. وواشنطن ترسم ملامح الزلزال، لا حبًا بالمنطقة، بل لأن الفوضى لم تعد أداة فعالة. وما بين هذا وذاك، تقف المنطقة على أعتاب تحول قاسٍ لكنه ربما يكون الضرورة الأخيرة بعد سنوات طويلة من الخراب.


