مات أبي ،،،
( أبين الآن) كتب: د. سعيد سالم الحرباجي
لحظات قاسية وقاسية جداً ..
تلك اللحظات التي تناهى خلالها إلى مسامعي نبأ موت أبي .
أي نعم قاسية ، وكيف لا تكوت كذلك .
وقد انطفأ سراج البيت ، واظلمت أركانه ، وخيم الظلام على حيطانه ، وتوشح الحزن بنيانه .
كيف لا تكون كذلك ..
وقد ذهب كلي ، وبقي حزني ، ونضب
فرحي ، واشتد كربي ، وازداد ألمي ،
وترقرق دمعي واستوحش قلبي ،
وتضاعف غمي ، ورجف فؤادي .
لقد مات سندي ..
وكان النبع النقي الذي يروي ظمأ روحي ،والمعين الصافي الذي يذهب عطش نفسي ، والجدول الرقراق الذي يزيل عتمة قلبي ، والسراج المنير الذي أستمد منه نور طريقي ، والحكيم الحاذق الذي يبدد وجع حيرتي.
لم يكن أباً وحسب ..
بل كان المعلم الحاذق ، والأستاذ النبيل ، والأخ العزيز ، والشيخ الوقور ، والمربي الفاضل ، والمسلم القدوة ، والصديق الوفي .
فيا لفجيعة الموت !!
ألمه شديد ، وحزنه مديد وجرحه لا يندمل .
ولهذا نبكي موتانا ، ونحزن على فراقهم ، ونتألم لرحيلهم .
لا... لأننا معترضون على قضاء الله
وقدره ، ولكن لأنَّا فقدنا جزءاً من
حياتنا كنا نتكىء به عليهم ، لأنَّا
فقدنا أرواحاً كانت بمثابة واحات غناء
نستظل بظلالها الوارفة من حر
هجير تقلبات الزمن .
لأنَّا فقدنا ينابيع رقراقة كنا نرتشف
منها ماء الحياة العذب ليروي
حاجات نفوسنا .
فنحن إذاً نبكي أنفسنا ، ونندب حظنا ،
ونتألم لحالنا ، ونتوجع لحرماننا ما فقدناه .
وتلك طبيعة النفس ، وذلك هلع القلب خوفاً من المجهول .
وهكذا يرحل الموتى ، ويتركون قُصَصَاً
مؤلمة في نفوسنا ، وجروحاً غائرة
في قلوبنا ، وآلاماً موجعة في
أرواحنا ، ونتوءاً مؤذية في عواطفنا ،
وشوائب عميقة في حياتنا .
فيا لفقدك يا أبي .
لقد رحلت عنا بجسدك الطاهر ، وغبت
عنا بهيئته الأنيقة ، وغادرت عنا
بطلتك البهية ولكنك لا زلت حياً ....
حياً ...بما تركته في نفوسنا
من تربية صالحة ، وتأديب حسن ،
وسلوك رائع ، وخلق رفيع .
لحوالي عشرة عقود قضاها
من عمر الدنيا ...
لم يُسَجَّلْ عليه فيها منقصة ، ولا خلق
مشين ، ولا سلوك منحرف، ولا زلة
محتشم ، ولا كلمة نابية ، ولا موقف
مخزِِ ، ولا شكوى مذلة .
عُرِفَ بتدينه منذ نعومة أظافره ..
نشأ في طاعة الله ، وقلبه متعلق
ببيوت الله ..
أسس مع رفيق دربه في الطاعة
والصلاح الشيخ الفاضل، والرجل
الوقور ( عبدالله باجمال ) أسسا مسجد
القرية في منتصفستينات القرن
الماضي ، وظل داعماً للمسجد ،
ساع في مصالحه حتى آخر لحظة من
لحظات حياته.
كان بالنسبة لي استاذاً ..
تعلمت منه الصبر على الطاعات ، والثبات على الحق ، والتوسط في المواقف ، والتمهٌل في اتخاذ القرارات ، والتأني في الأحكام .
تعلمت منه الأخلاق الفاضلة ،والقيم النبيلة ، والسلوكيات الحسنة .
كان آية في الانضباط في كل شؤون حياته .
منذ أن تفتحت عيناي على الدنيا
وهو هو....
لم يتغير حتى أقعده المرض
في آخر لحظات حياته والتي لم
تتجاوز الأشهر المعدودة .
لم يفارق تكبيرة الإحرام والصف الأول
إلا لمرض أو سفر .
يستيقظ مع أذان الفجر الأول ، يصلي
الفجر فيعتكف حتى يقرأ أوراده ،
وأذكاره ، ويصلي ركعتي الشروق .
يصلي المغرب فيعتكف حتى يصلي
صلاة العشاء .
ملتزم بمواعيد الأكل بصورة دقيقة
جداً في كل وجباته الثلاث ....إلا
لضرورة خارجة عن إرادته .
أول ما يفتتح يومه يأكل سبع
تمرات ، وكان هذا دأبه طيلة سنوات
عمره حتى أعجزه المرض عن الأكل .
يهتم بنظافة جسده ، وطهارة ملابسه
وطيب رائحته ، وأناقة مظهره ،
وحسن هندامه ، وانتقاء كلماته .
كتب وصاياه ووضعها في حقيبته .
أشترى كفنه من مكة المكرمة ، وغسله
بماء زمزم قبل أربعين عاماً وظل
محتفظاً به حتى اللحظات الأخيرة
من عمره حيث نادى بأن نأتي به
إلى جانبه ، فجمعنا وقال لنا :
( هذا الذي خرجت به من الدنيا ، هذا
الذي خرجت به من الدنيا.)
لسان حاله يقول : خمسة وتسعون
عاماً قضيتها في الدنيا لم أرحل
منها إلا بهذا القماش الأبيض ..
فيا لتفاة الدنيا !!!!
موعظة مختصرة ...لكنها اختزلت
حقيقية الحياة .
فمهما جمع الإنسان ، ومهما كنز ، ومهما
سشيٌد ومهما بلغ من العمر في الدنيا ....
سيصل في نهاية مشواره إلى
الخروج بقطعة قماش بيضاء ، ويترك
ما جمع ، ولا يرافقه إلا عمله الصالح .
فيالك من حكيم !!!
ثم أوصانا بتقوى الله ، والحفاظ على
الصلوات ، وصلة الرحم ، والتراحم
والمحبة ، و الألفة ، وبذل الندى ،
وكف الأذى ، وحسن العشرة.
رحل من الدنيا وهو بكامل قواه العقلية .
لم يفارق لسانه ذكر الله وهو في أشد
لحظات المرض .
يسأل عن أصحابه ورفقاء دربه
ويوصينا بأن نبلغهم سلامه ، وأن
نصلهم بعد مماته .
أوصى وبشدة بترك عادة ذبح
المواشي عند الوفاة ويقول :
هذا إسراف ومخالف لهدي النبي ( ص) .
هو واحد من مناضلي الثورة ، وكان
ضابط إشارة.
ساهم مع زملائه في الكفاح المسلح ضد الإستعمار حتى تم طردهم من جنوب اليمن .
ولكنه كان ضحية من ضحايا خطوة
التصحيح المشؤومة التي نكلت بثوار
التحرير....فشرد بجسده ، وترك شقته
التي منحت له في معسكر عشرين
بداية سبعينات القرن الماضي ،
وغادر مدينة عدن ليستكمل مشوار
حياته في مسقط رأسه بقرية ( كبران ) محافظة أبين/ مديرية مودية.
مع بداية الوحدة تم إعادته مع كثير من المبعدين إلى جهاز الأمن العام برتبة عقيد .
وأثناء فتح ملف التسويات تم ترقيته إلى رتبة عميد بقرار من المشير عبدربه منصور هادي.
عزاؤنا فيه أنَّه رحل بتوديع الناس له بالدعاء والثناء الحسن ، والذكر الطيب .
سيظل تاريخ الخامس من ديسمبر 2025م قُصٌة في نفسي ما حييت .
فيا لفراقك يا أبي ,,,
لو أمطرتْ ذهباً منْ بعدِ ما ذهبا
لا شيء يعدلُ في هذا الوجودِ أبا
مازلتُ في حِجرِهِ طفلاً يُلاعبني
تزدادُ بَسمتُهُ لي كلما تَعِبا
لم يَحنِ ظهرَ أبي ما كانَ يَحمِلُهُ
لكنْ ليحملني منْ أجليَ انحدبا
وكنتُ أحجبُ عن نفسي مطالبها
فكانَ يكشفُ عما أشتهي الحُجُبا
أغفو وأمنيتي سرٌّ ينامُ معي
أصحو، وإذ بأبي ما رُمتُ قد جَلبا
كفاهُ غيمٌ وما غيمٌ ككفِّ أبي
لم أطلبِ الغيثَ إلا منهما انسكبا
ياليتني الأرضُ تمشي فوقها فأرى
من تحتِ نعلكَ أني أبلغُ الشُهبا
مهما كتبتُ بهِ شعراً فإنَّ أبي في
القدرِ فوقَ الذي في الشعرِ قد كُتبا
رحمك الله أيها الوالد النبيل .
ونسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته .
إنا لله وإنا إليه راجعون
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم


