قصة سيدنا يوسف من زوايا مختلفة ،،

ابتدأت القصة بقوله سبحانه:
﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ﴾
ولذلك كانت قصة سيدنا يوسف أحسنَ قصةٍ سمعتها أذن، وأعظمَ حكايةٍ تأمّلها فكر، وأصدقَ خبرٍ استساغه ذوق.
فهي لم تكن قصةً تُروى، ولا حادثةً تُقال...
وإنما كانت ملحمةً إيمانيةً متكاملة، تجسّد صراع الحق مع الباطل، وترسم ملامح معركة النور مع الظلام، وتحدّد معالم الثبات أمام الفتنة، وتبيّن طريق التوحيد في مواجهة الانحراف.

إنها قصة الدعوة في طريقها الشائك، الشاق، الطويل…
من الجبّ إلى العرش، ومن المحنة إلى 
المنحة، ومن الألم إلى التمكين.
ابتدأت تلك القصة الرائعة بالرؤيا ....
رؤيا رآها ذلك الطفل الصغير، يوسف، فأسرع إلى أبيه يقصّها عليه:
﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾

لقد كانت تلك الرؤيا بمثابة إعلان مبكّر لمسار القدر، وتوصيفٍ دقيق لخطوات الرحلة الشاقة التي ستكتنف طريقه في الحياة.
هكذا أراد ربنا سبحانه وتعالى أن يهيّئ يوسف لمهمّة عظيمة، وأن يُعدّه لغاية سامية....
تلك الغاية لم يكن الطريق إليها مفروشًا بالورود، بل محاطًا بالابتلاءات والأشواك.
فالاصطفاء الإلهي لا يعني الراحة، بل يعني مزيدًا من الاختبار، والتصفية، والتمحيص.

وها هي رحلة المتاعب تبدأ أولى خطواتها..
وها هو يوسف، الطفل البريء، يُرمى
 في الجبّ ....
لا لذنبٍ ارتكبه، ولا لجُرمٍ اقترفه، ولا لخطأٍ وقع فيه، وإنما بدافع الحسد والانتقام.
رموه ليتخلّصوا منه، وقفلوا عائدين إلى أبيهم بجريمةٍ بشعة !!!

سقط يوسف في قعر البئر جسدًا، لكنه صعد منه روحًا..
وكأن ذلك السقوط كان بداية الصعود الحقيقي!
فالابتلاء هنا ليس إهانة، بل تربية قاسية لإعداد نفسٍ عظيمة.
إنه درس لكل داعية، ولكل مصلحٍ اجتماعي:
أن الطريق إلى القمم يمرّ غالبًا من أعماق الجراح.

وما كاد ذلك الطفل يتنفّس الصعداء وينجو من تلك المحنة العظيمة، ويخرج من الجبّ....
حتى وجد نفسه في قصر الملك، محاطًا بفتنةٍ أقسى، وممتحَنًا بابتلاءٍ أشد .
وجد نفسه في صراعٍ مرير بين فتنة الشهوة، وطهارة الإيمان، وسوط السلطة.
قال تعالى:
﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ﴾
ولكن يوسف قدّم نفسه في أرقى صورة للعفّة المؤمنة:
﴿ قَالَ :مَعَاذَ اللَّهِ ﴾
هنا تنتصر الروح على الجسد، وينتصر الإيمان على الغريزة، وينتصر الضمير على الإغراء.

ولكنٌَ ذلكم الانتصار لم يكن حدثًا عابرًا، بل كان انتصارًا مدفوعَ الثمن.
ذلك أنٌَ فورة الغريزة لدى تلك المرأة لم تهدأ،  وهزيمتها أمام ثبات يوسف لن مرور الكرام...
بل زادها انتصاره إصرارًا وتهديدًا، فقالت في تبجّح ووقاحة، وأمام صويحباتها:
﴿ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴾

ومرةً أخرى ينتصر يوسف، ويستعلي بإيمانه على التهديد والوعيد، ويقف كالطود الشامخ أمام أعاصير الشهوات، فيعلن بوضوح:
﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾
فكان السجن ثمن ذلك الاستعلاء.

لقد قرّرت قوى الفساد - رغم ثبوت براءته - أن تلقي به في غياهب السجون، ظنًّا منهم أنهم سيخفون الحقيقة ....
وما علم أولئك الفاسدون أنٌَ السجن في ميزان الإيمان حرية الروح خلف القضبان.
فالسجن في منطق البشر قيد، لكنه في منطق العقيدة تحرّر واستعلاء.
تحرّر من عقدة الخوف، تحرر من تبعية العبيد، تحرر من هيمنة الطغاة.
فالأفكار لا تُحبس بين جدران السجون، والعقيدة لا تُقيَّد داخل الزنازين...
لأنها حرّة طليقة، وهي أكبر من أن تُسجن، وأعظم من أن تُقيَّد، ولو قُتل حاملها.

لذلك كان يوسف أكثر حرية من سجّانيه ...
لأن الحرية الحقيقية هي حرية العقيدة لا حرية الحركة.
ومن خلف الجدران المظلمة، وبين القضبان الموصدة...
ظل يوسف يمارس دعوته، وينشر فكره، ويعلن توحيده بكل صلابة وإصرار:
﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾
وهكذا انسلخ من عمر يوسف بضعُ سنين، ثمنًا لانتصاره على الفتنة.

وما إن انتهت مرحلة الإعداد، والتهيئة، والتأهيل .....
حتى خرج يوسف  من السجن إلى سدة الحكم:
﴿ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ﴾
فأصبح عزيز مصر !!

وهنا تبلغ القصة ذروتها، وتصل الحكاية إلى غايتها.....
 وذلك حين التقى بإخوته، فاستعلى بأخلاقه، وارتقى بإيمانه، فقال لهم  :
﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ﴾
هنا تتجلّى حقيقة الإيمان، وهنا تتوٌَج الرحلة الشاقة  بهذا الخلق العظيم ، وبهذا السلوك الراقي ، وبهذا التصرف السامي...
القدرة مع الصفح، والتمكين مع الرحمة،
والانتصار مع العفو.

إنها حقًّا سورة الصبر الجميل، وسورة الطهارة في زمن الفتنة، وسورة التمكين بعد الابتلاء.
وهي رسالة لكل مؤمن ...
لا تيأس، لا تستعجل، لا تضعف…
فإن الله يدبّر لك من حيث لا تدري، ويصنع لك من الألم أجنحة، ومن الجراح مستقبلًا،
ومن العتمة فجرًا.