العلاقات خارج نطاق العمل

على الرغم من محدودية خبرتي في المراحل الأولى لتأسيس الشركة خلال تسعينيات القرن الماضي، وقلة معرفتي آنذاك بالموردين والمستوردين ذوي السمعة والخبرة والمصداقية، إلا أن تلك المرحلة كشفت لي حجم الفجوة بين المعرفة والخبرة وبناء العلاقات الإنسانية. كانت هناك جوانب كثيرة أجهلها، وكان لزامًا عليّ إعادة النظر فيها وفهمها بعمق، لما لها من أثر مباشر في استدامة العمل ونجاحه، ومن أبرزها العلاقات خارج نطاق العمل. فهذا النوع من العلاقات لا يخضع لإطار زمني محدد، ولا يُبنى عند الحاجة فقط. قد يعتقد البعض أن احترام الخصوصية المهنية يستوجب تجنب التواصل خارج نطاق العمل، خشية تجاوز الحدود الشخصية، غير أن القيادة الحقيقية تدرك أن بناء علاقات متوازنة خارج دائرة المنافسة المهنية ليس ترفًا، بل استثمار طويل الأمد، يتطلب جهدًا واعيًا لاكتشاف مساحات مشتركة تتجاوز المصالح المباشرة.في إحدى ليالي جاكرتا، وأثناء فترة العمل المكثفة، كان لقاء غير مخطط له في أحد الفنادق القريبة من مقر الشركة التي كانت تؤدي دور الوسيط بيننا وبين المصانع. ومن حسن المصادفة أن جمعتني تلك الليلة برجل أعمال مرموق من زملاء تلك المرحلة، كان يتجنب اللقاء بي سابقًا في أي سياق. إلا أن ذلك اللقاء العفوي كسر الحواجز، وجمعنا ضمن مجموعة من رجال الأعمال الذين كانوا معي في بدايات مسيرتهم نحو تحقيق أهدافهم. 

وخلال أول نقاش مباشر بيننا، تلاشت التحفظات التي حالت دون التواصل سابقًا. وقد اتسم حديثه بالصراحة والشفافية حين أوضح أسباب عدم معرفته بي من قبل. في تلك اللحظة تحديدًا، أدركت صدقه ووفاءه، وهي صفات لم تكن ظاهرة لي سابقًا، إذ اعترف بأن موقفه لم يكن مبنيًا على تجربة أو معرفة حقيقية، بل على تصورات غير مؤكدة. 

واستحضرت حينها مقولة عازف البيانو الكوميدي فيكتور بورغه: «الضحك هو أقصر مسافة بين شخصين»، فوجدت فيها تعبيرًا دقيقًا عن قدرة التواصل الإنساني، ولا سيما الدعابة، على كسر الحواجز وبناء الجسور حتى بين أشخاص لا تجمعهم أرضيات مشتركة واضحة. وقد أسهم ذلك اللقاء في تأسيس علاقة مهنية وإنسانية متينة، ولا يزال ذلك الرجل من أقرب الأصدقاء وأكثرهم صدقًا قولًا والتزامًا وفعلًا. ومن هنا تتضح حقيقة قيادية مهمة: الانفتاح على الآخرين، في غياب المعرفة المسبقة أو الصداقة، هو مجازفة محسوبة لكسب الثقة. ولأن القيادة تقوم على المصداقية، فإن الصدق يظل الأساس الذي تُبنى عليه العلاقات المستدامة. إن الحفاظ على روح الدعابة، حتى في أكثر الظروف صعوبة، يعزز فرص التواصل، ويفتح آفاقًا جديدة لبناء علاقات إيجابية. وقد لخّص هنري فورد هذا المعنى بقوله: «أفضل أصدقائك هو من يُخرج منك أفضل ما فيك».كن صديقًا للجميع، وستدرك ذلك حين تجد من يقف إلى جانبك؛ فالصديق الحقيقي هو من تشاركه أعمق مشاعرك، وتجد لديه الدعم عندما تكافح لتحقيق أهدافك، فهو يحفّزك على النمو، ويدعمك لبلوغ أقصى قدراتك وعليه، فإن الصداقة تعمقها المصداقية في مختلف مناحي الحياة ليست قيمة أخلاقية فحسب، بل أداة قيادية مؤثرة، وستنعكس آثارها بوضوح على علاقتك بزملائك وشركائك وعملائك. فامضِ في مسيرتك، وكن ودودًا، متزنًا، وعطوفًا؛ فهذه سمات القائد الذي يترك أثرًا لا يُنسى.