كيف يمكن أن تشكّل الفيدرالية بديلا واقعيا لحالة اللادولة في اليمن؟
لم تعد الأزمة اليمنية مجرد أزمة حكومة أو صراع على السلطة، بل تحوّلت إلى حالة «لادولة» واضحة المعالم؛ سيادة منقوصة، قرار وطني غائب، موارد معطّلة، ومجتمع يُدار بالأمر الواقع لا بالقانون. وفي ظل هذا الوضع المتدهور، باتت قناعة واسعة تتشكل، حتى لدى أطراف متخاصمة، بأن نموذج الدولة المركزية لم يعد صالحا، وأن البحث عن مخرج لم يعد ترفا سياسيا، بل مسألة بقاء.
من هنا، لم تعد الفيدرالية فكرة مؤجلة أو طرحا يخص النخب فقط، بل أصبحت خيارا مطروحا بقوة في النقاش العام، بوصفها الصيغة الأقرب لإعادة بناء دولة قابلة للاستمرار، تقوم على الشراكة، وتحد من السيطرة، وتوزّع السلطة والثروة بشكل أكثر توازنا. والسؤال المطروح اليوم لم يعد: هل نذهب إلى الفيدرالية؟ بل: كيف نذهب إليها، وبأي شكل، وتحت أي ضمانات؟
في هذا الإطار، تبرز تحركات مهمة في المحافظات الشرقية، لا يصح التعامل معها كأحداث اعتيادية أو مواقف مؤقتة. فقد جاء بيان حلف قبائل حضرموت بلغة سياسية مختلفة، أعلن فيه رفض التشطير، وفي الوقت نفسه أكّد أن حضرموت طرف أساسي في أي ترتيبات قادمة، وهو طرح يخرج عن منطق الاصطفاف التقليدي، ويتجه نحو موقع الشريك في البحث عن الحل.
وبالطريقة نفسها، عبّر حديث محافظ المهرة محمد علي ياسر عن الإقليم الشرقي باعتباره وحدة اقتصادية وموقعا استراتيجيا، عن تفكير يتجاوز الشعارات إلى محاولة بناء أقاليم قادرة على الاستقرار، لا أقاليم تُنشأ لتدوير الصراع. أما لقاء أبناء محافظة شبوة، الذي دعونا إليه الشيخ عوض بن الوزير العولقي، بحضور شخصيات اجتماعية واقتصادية وقيادات رسمية، فقد أعاد التأكيد على الانتماء الجغرافي والتاريخي لشبوة ضمن الإقليم الشرقي، ورفض اختزالها في أدوار هامشية داخل صراعات لا تعبّر عن مصالحها.
هذه المؤشرات مجتمعة تعكس تحضيرات سياسية واجتماعية للحوار الجنوبي المرتقب، وتدفع باتجاه بلورة رؤى أكثر هدوءا وأبعد عن ردود الفعل. غير أن التعامل الواقعي مع هذه التطورات يقتضي وضع الحوار الجنوبي في حجمه الطبيعي، دون التقليل من أهميته، ودون تحميله ما لا يستطيع إنجازه.
فالحوار الجنوبي–الجنوبي يظل خطوة مهمة لمعالجة الخلافات، وتوحيد المواقف، وترتيب الأولويات داخل الجنوب، وهو قادر على تخفيف حدة الاستقطاب وبناء حد أدنى من التفاهم الداخلي. لكنه، في المقابل، غير قادر وحده على حل الأزمة اليمنية، أو فرض تسوية اقتصادية شاملة، أو تغيير موازين القوى الإقليمية التي عطلت الدولة وأفرغتها من مضمونها.
ولا يمكن تجاهل أن استمرار تعطيل صادرات النفط والغاز، واستخدام ملف الرواتب كوسيلة ضغط سياسي، يؤكد أن جوهر الأزمة يتجاوز الداخل اليمني إلى صراع إقليمي مفتوح، يجعل أي تسوية داخلية ضعيفة ما لم تُدعم بضمانات خارجية واضحة.
من هنا، يصبح التفاؤل بالحوار الجنوبي أمرا مطلوبا، لكن تحويله إلى بديل عن تسوية إقليمية شاملة هو نوع من الهروب إلى الأمام. فحل الأزمة اليمنية يظل مرتبطا بحوار سعودي–إيراني جاد، برعاية دولية فاعلة، وفي مقدمتها الصين، والدول المعنية باستقرار البحر الأحمر وأمن الممرات البحرية وإمدادات الطاقة.
قد تكون الفيدرالية الفرصة الأخيرة لإنقاذ اليمن من التفكك، لكن نجاحها يبقى مرهونا بصدق الإرادة الداخلية، وتوازن المواقف الإقليمية، والاقتناع بأن الدولة لا تُبنى بالشعارات، بل بتفاهمات تحمي السياسة من السلاح، والاقتصاد من الابتزاز، والمستقبل من تكرار الإخفاق.


