سرقة المال العام… جريمة بحق الشعب والدولة
تُعدّ سرقة المال العام من أخطر الجرائم التي تهدد كيان الدول وتقوّض أسس العدالة الاجتماعية، لأنها لا تمس خزينة الدولة فحسب، بل تمتد آثارها المباشرة إلى لقمة عيش الشعب، وحقوق الفقراء والمساكين، والأيتام والأرامل، والمعاقين والمجانيين، وكل فئة ضعيفة جعلها القانون والدين في مقدمة أولويات الرعاية والحماية.
فالمال العام هو ملك للشعب، أُنيطت إدارته بالسلطة على سبيل الأمانة لا التملّك، والمسؤولية لا الغنيمة. وهو مورد مخصص للرواتب والخدمات والتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية. وأي اعتداء عليه يُعد خيانة للأمانة، وانتهاكاً صريحاً لحقوق الإنسان، وجريمة يعاقب عليها الشرع والقانون.
وقد جاءت الوقائع شاهدة على حجم هذه الجريمة؛ إذ نرى تعطّل الرواتب أو تدنّيها، وتدهور التعليم، وانهيار القطاع الصحي، وغياب الخدمات الأساسية، مقابل تضخم ثروات بعض المتنفذين، وانتشار مشاريع وهمية وتقارير شكلية لا أثر لها على أرض الواقع. هذا الخلل الفاضح لا يمكن تفسيره إلا بوجود فساد ممنهج ونهب منظم للمال العام.
ومن الناحية الشرعية، فإن سرقة المال العام من أعظم الذنوب، لما فيها من أكل أموال الناس بالباطل. قال الله تعالى:
﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾،
وفي هذا وعيد صريح بأن من يسرق من المال العام سيُحاسب أمام الله حساباً عسيراً، مهما أفلت من العقاب في الدنيا. فالمال العام أمانة، وخيانته ظلم مضاعف، لأنه اعتداء على حقوق جماعية لا فردية.
أما من الناحية القانونية، فإن القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية تجرّم بشكل واضح كل أشكال الفساد المالي، وتعدّ الاستيلاء على المال العام جريمة جسيمة توجب المساءلة والعقاب. وتنص معظم التشريعات على أن جرائم المال العام لا تسقط بالتقادم، لما تشكّله من تهديد مباشر للأمن الاقتصادي والاجتماعي، ولما يترتب عليها من انتهاك لحق المواطن في العيش الكريم.
إن خطورة سرقة المال العام لا تكمن في قيمته المادية فقط، بل في آثارها المدمرة على الثقة بين المواطن والدولة، وعلى الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي. فهي تفتح أبواب الفقر، وتغذّي الغضب، وتدفع المجتمعات نحو الانقسام واليأس.
وعليه، فإن حماية المال العام ليست خياراً سياسياً، بل واجب قانوني وأخلاقي وديني. والمحاسبة العادلة والشفافة ليست تصفية حسابات، بل ضرورة لإنصاف الضحايا، وردع الفاسدين، واستعادة هيبة الدولة. فلا دولة تقوم على النهب، ولا وطن يُبنى على الظلم، ولا شعب يمكن أن يُحرم من حقوقه إلى الأبد.
فالمال العام حق للشعب، وأمانة في أعناق المسؤولين، ومن يسرقه فقد ظلم الناس، وخان الوطن، وتعرّض لعقاب القانون، قبل حساب الله الذي لا يضيع عنده حق.


