عندما نُعيد بناء الإنسان… سنُعيد رسم خريطة العالم

انشغل الأب بالقراءة، بينما كان طفله يعبث بمحتويات مكتبته…
حاول جاهدًا إلهاء ذلك الطفل الشقي حتى يتمكن من الاستمتاع بالقراءة، لكن كل تلك المحاولات باءت بالفشل.
ولِمَنْحِهِ بعض الهدوء، أعطاه خريطةً ممزقةً للعالم، وتحدّاه أن يعيد تركيبها، ظنًّا منه أنها ستشغله طويلًا.
لكن الطفل عاد بعد دقائق قليلة والخريطة سليمة!
ذُهِـل الأب وسأله: «كيف فعلتها بهذه السرعة؟»
أجاب الطفل ببساطة:
«لم أركّب خريطة العالم يا أبتي، بل أعدتُ تركيب صورة الإنسان التي كانت على ظهرها، وعندما أصلحتُ صورة الإنسان صلحَ العالم من تلقاء نفسه».

هذه القصة الرمزية للكاتب البرازيلي «باولو كويلو» تحمل حقيقةً عميقة لقيمة الإنسان كإنسان.
فالإنسان هو محور عملية التغيير؛ فإذا ما أعدنا بناءه، ومنحناه قيمته كمخلوقٍ مكرَّم بكرامة الله له، كما أخبر تعالى بقوله:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾،
فهو من سيقود عملية النهوض نحو الأفضل، وهو من سيحمل مشعل النور، وهو من سيعيد بناء خريطة العالم التي مزقتها قوى الشر.

فإذا أردنا إصلاح عالمنا الذي مزقته الصراعات، فعلينا أن نبدأ بإعادة بناء الإنسان، وتكريمه، ومنحه قيمته الحقيقية؛ فبصلاحه يصلح كل شيء، وبإعادة بنائه سنبني كل شيء.
هذه الحقيقة الكبرى جسّدتها قصة ذلك الطفل الصغير، الذي ظنّ والده أنه من سابع المستحيلات أن يتمكن من إصلاح خريطة العالم الممزقة.
ولكن الطفل لم يركّز على تعقيدات الخريطة المهترئة، بل فكّر في وسيلة أسرع لإعادة تركيبها؛ حيث قرر أن يُصلح صورة الإنسان المرسومة خلف الورقة، وما إن أعاد صورة الإنسان حتى عادت معها خريطة العالم إلى وضعها الطبيعي.

واقعنا اليوم يشبه تلك الخريطة الممزقة؛ فقد أُصيبت قيمة الإنسان في مقتل، حين سُلبت حريته، وحورب في رزقه وتعليمه، وهُمِّشت العقول النيّرة لصالح التافهين.
فكانت النتيجة جيلًا تائهًا، فاقدًا لهويته وبصيرته، وعاجزًا عن تغيير واقعه البائس.

إن التحدي الحقيقي الذي نواجهه اليوم ليس سياسيًّا أو اقتصاديًّا فحسب، بل هو تحدٍّ إنسانيٌّ بالدرجة الأولى؛ فإذا أردنا إعادة تركيب خريطة العالم على أسس سليمة من القيم والكرامة والوعي، فعلينا أن نعيد بناء الإنسان أولًا، ونمنحه حقه في العيش الكريم، ونعيد له قيمته التي كرّمه الله بها.

ذلك أن خريطة العالم الممزقة التي نشاهدها اليوم ليست سوى انعكاسٍ لحالة الإنسان.

وهكذا أهدرت قوى الشر- في وقتنا الحاضر -قيمة الإنسان، وسلبته كرامته، حتى أصبح لدى الكثيرين قناعة بأنه من المستحيل الحديث عن أية نهضة أو تقدم حقيقي.

ولكن واجبنا الديني والأخلاقي يحتم علينا إصلاح مجتمعاتنا، وإعادة بنائها، وترميم خرابها، حتى ننهض ونعيد بناء خريطة العالم.
فدعونا ننطلق من حيث بدأ ذلك الطفل الصغير، الذي قَبِلَ تحدي والده في إعادة تركيب خريطة العالم الممزقة، ولأنه في سباق مع الزمن لم يلتفت إلى كومة الأوراق المتناثرة حوله، بل حدّد هدفه بدقة فائقة، فاتجه إلى تركيب صورة الإنسان الممزقة، وأعادها في دقائق معدودة  ، وعادت معها خريطة العالم سليمة .

فلا تلتفتوا إلى هذا الركام الهائل من حولكم، وابدؤوا بالخطوة الأولى: (إصلاح الفرد المسلم)، وبصلاحه ستُعادُ صياغة خريطة العالم.