سنونو العافية.. حين يفيق الوطن من غيبوبة الطواحين

تعبنا.

تعبنا حتى تيبس الريق في أفواهنا، وارتدت الحناجر صداها. تعبنا حتى صرنا نعد الموتى كأننا نعد نجوم السماء في ليلة حالكة، كلما غابت نجمة أشرقت أخرى، لا تزيد الدجى إلا إظلامًا. كنا نظن أن وطننا يتيتم، لكننا اكتشفنا أنه يُرمَّل كل يوم، وثيابه السوداء لا تخلع، وعيون أبنائه لا تجف. تعبنا من المكونات التي تلبس ثوب الوطنية وهي تخيط أكفاننا.

ها هي الشمس تطل من جديد، ليست شمسًا حارقة كعهدنا بها، بل شمس عزّ ودفيء. نلمس التعافي كما يلمس الأعمى جدارًا بعد طول تيه، نصدق ولا نصدق. العملة التي كانت تموت في جيوبنا قبل أن نُخرجها عادت إليها روحها، والكهرباء التي كانت تظلم بيوتنا عادت تضيء عتمة السنين. نرى البنية التحتية تنهض من تحت الركام، وكأنها عروس تنتظر زفافها بعد طول حداد. نرى كل هذا، ونبكي. نبكي لأننا كدنا ننسى طعم الحياة.

إلى متى يا سادة؟ إلى متى نصادر على الشعب فرحته الوحيدة؟ كفى! اتركوه يعيش ولو مرة في عمره. عيالكم تطأ أقدامهم مطارات العالم، وعيالنا تطأ أقدامهم ألغام الطرقات. أولادكم يتنفسون هواء سويسرا ونحن نتنفس غبار الحرب. أولادكم ينامون على أصوات الناي ونحن ننام على أصوات الرصاص. أي إنصاف هذا؟ أي عدل؟

يا عيدروس.. يا من تحسب أنك تمسك بتلابيب الجنوب، ماذا فعلت لأهله؟ ماذا أبقيت من أحلامهم؟ كنت كمن يعد طعامًا على مائدة لا يملكها، ثم يدعو الجياع ليجلسوا بلا طعام. رفعتم شعارات كالقباب الفارغة، من الخارج بهاء ومن الداخل خراب. ماذا قدم المجلس الانتقالي غير أنه كان مطية لجهات لا تريد لليمن خيرًا؟ ثم ماذا لو عاد؟ أيها السادة، لا يعود الميت إلى الدنيا فيحرث الأرض أو يبني جدارًا.

وأما أنت يا من تقف اليوم على أعتابنا ضيفًا كريمًا.. يا من جئت لا تحمل بندقية بل تحمل مهندسًا وطبيبًا ومعلمًا. يا من جئت لا تبحث عن مقعد في حكمنا بل تبحث عن إحياء أرضنا. نعم.. يا سعودية الخير، لم ننسَ. في زمن قصير، رأينا ما لم نره في سنين طوال. لم نرَ وعودًا على الورق، بل رأينا إسمنتًا يابسًا وكوابل كهرباء تمتد في شرايين المدن. لم نرَ خطابات حماسية، بل رأينا راتبًا يكفي لقمة عيش، ورأينا العملة تقوى وعزتنا تعود.

والله إن مطالبنا لصغيرة يا سادة، إنها لا تستحق كل هذه الدماء. نريد كهرباء لا تخوننا في عز الصيف، نريد ماءً نتوضأ به ونشرب، نريد صرفًا صحيًا لا يحول شوارعنا إلى مستنقعات. مطالب لا تليق بأمة كانت بالأمس القريب تروي خمسين جزيرة من عسلها. نحن من كنا نطعم العالم، واليوم نستجدي لقمة العيش. نحن من بنى موانئ أفريقيا، واليوم لا نستطيع بناء رصيف صغير. أليس هذا عارًا؟

أيها الشعب المسكين.. يا من تدفع ثمن حروب لا تملك قرارها، وتموت في معارك لا تعرف أسماءها. كم مرة بعنا بسراب؟ كم مرة خرجنا نهلل لعائد ثم اكتشفنا أنه جاء ليأخذنا إلى غياهب جديدة؟ المجلس الانتقالي مشروع فاشل، التجربة أثبتت ذلك، والأيام أذلت أعلامه المرفوعة. لا يمكننا أن نكرر الخطيئة ذاتها وننتظر نتيجة مختلفة.

العمر أقصر من أن نضيعه في تجارب فاشلة. اليمن ليست عاهرة تتقاذفها الأحزاب كلما اشتهت. اليمن أم، والأم تُعاشق ولا تُباع. نحن نملك ثروة لو وزعت بالعدل لكنا من أغنى دول الخليج، لكنها أضحت لعنة حين صارت في أيدي من لا يحسنون إدارتها. ثروتنا ليست سبب هلاكنا، بل الهلاك في عقولنا التي طالما وثقت بالطواحين.

والآن، ها هي الأبواب تفتح بعد سنين عجاف. السنين العجاف تمر كما تمر حاملًا على ظهرها جرابًا خاويًا. الآن، أثقلنا باليأس، لكن بصيص النور هذا لا نريده أن يخفت. أعطوا هذه الفرصة للحكومة وللمملكة العربية السعودية حياة. دعوهم يعملون، ثم احكموا بعد ذلك. ماذا تخسرون؟ هل خسرنا شيئًا حين رأينا الرواتب تنتظم؟ هل خسرنا حين عادت الكهرباء؟ هل خسرنا حين صارت العملة اليمنية ترفع رأسها؟ لا والله، ما خسرنا إلا خيبة الأمل فيمن سرقوا أعمارنا.

متى تصحوننا من غيبتكم الطويلة؟ متى تتركونا نعيش؟ نحن لا نطلب الجنة، نطلب أرضًا تمشي عليها أقدامنا من غير أن تغوص في الوحل. نطلب سماءً لا تمطر رصاصًا. نطلب أطفالًا يذهبون إلى المدارس لا إلى المقابر.

إنه الفجر يا يمن. لا تثقوا بباعة الأوهام. الشمس تطلع، فلا تختبئوا في ظلال الطواحين.