حين تحل روحانية رمضان .. يجب أن يغادر الجدل السياسي

لن نجافي الحقيقة حين نجزم بأن بلدنا تأتي ضمن مصاف الدول المتقدمة من حيث حجم إدمان الثرثرة السياسية ، التي لم تعد مجرد حالات طارئة تنتهي بانتهاء أسبابها ومسبباتها وإنما بات المزاج العام اليمني بكامله موبوءا بجدل سياسي عقيم لاطائل من ورائه إلا إثارة الضغائن وتعميق النزاعات والشحناء التي يحرص شيطان الجدل أشد الحرص على تغذيتها وإبقاء فتيلها مشتعلا طوال الوقت ، كيف لا ؟! وهي أشد الأسلحة فتكا بالمجتمعات والشعوب يلجأ إليها إبليس للتحريش بين المسلمين ، بعد أن يئس من أن يعبد في جزيرة العرب ، كما أخبر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام .

ومشكلة هذا الوباء الذي بات يتصدر المجالس العامة والخاصة ، ومواقع التواصل أنه كدر الصفو ، ولوث أجواء المودة والمحبة بين الأخوة والأصدقاء .. مما جعل محاولة الإرشاد والتوجيه ورفع مستوى الوعي المجتمعي بالآثار السيئة لهذا النوع من النقاش ضرورة ملحة ، سيما ونحن نستقبل مواسم الخير التي يعد الجدال من ألد خصومها .

إن الإسلام لم يجعل الجدال أسلوب حوار ونقاش مفتوح

 كي يستغله الشيطان ليفسد على الناس مودتهم وأخوتهم وكذلك عباداتهم وطاعاتهم .. سيما الطاعات الموسمية ذات الأجور العظيمة كفريضة الحج ، و فريضة الصيام ، بل الإسلام جعل قيودا وحدودا صارمة لهذا النوع من الحوار ، ووضعه تحت المجهر - إن جاز التعبير - حيث سلط عليه الأضواء من كل جانب فكشف عواره ، وأوضح أين تكمن مواضع الخلل فيه ، وما أباحه وسمح به جعله في أضيق نطاق ممكن ، مقيدا بالنوع الحسن منه فقط .

ففي الحج مثلا نجد أن الجدال ضمن قائمة المنهيات التي يجب على الحاج اجتنابها ، فقال المولى سبحانه في كتابه الكريم: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}١٩٧ البقرة .

إذن الجدال أحد منغصات هذه الشعيرة العظيمة بنص القرآن، بل ذهب الإسلام إلى أبعد من ذلك حينما قال عليه الصلاة والسلام : {أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا} أبو داوود .

والمراء هو الجدال العقيم الذي لايثري نقاشا ولايضيف شيئا ذا بال وأهمية ، إلا إظهار الغلبة في النقاش .. وتوجيه النبي عليه الصلاة والسلام إلى تركه وتجنبه حتى لوكان صاحبه محقا - يشي بالأثر السيء لهذا النوع من النقاش، وحين رخص الإسلام في الجدال وسمح به في إطار إقرار الحق أو إبطال الباطل - جعله مقرونا بالتي هي أحسن فقط - فقال سبحانه :{وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن } 46 العنكبوت .

وحين يكون الجدال ضرورة من ضرورات الدعوة إلى الله ، أكد المولى سبحانه على أن لايكون ذلك إلا بالتي هي أحسن أيضا حيث قال سبحانه في محكم التنزيل { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} 125 النحل، بل القرآن الكريم ينص على أن الكلام الحسن هو الأصل في حياة المسلم بشكل عام ، وبين الحكمة من ذلك هي أن أحد الثغرات التي ينفذ منها الشيطان هي زلات اللسان فقال سبحانه{وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا}(53)الإسراء .

ومن هنا يجب أن ندرك جيدا أنه حين يهل علينا شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران وتغمر نفحاته الزمان والمكان ، وتسري روحانيته وتتلمس طريقها إلى القلوب والوجدان فإن الجدل العقيم والذي يأتي في مقدمته الجدل السياسي والذي ينبغي أن ينزوي بعيدا ويتوارى خلف القضبان ، بل ويغادر الزمان والمكان .. إجلالا وتعظيما وتشريفا لحرمة الشهر الفضيل . 

فهذا النوع من الجدال هو بكل أسف معركة مفتوحة سلاحها تراشق الألسنة بكلمات تخل بآداب وسكينة الصيام ، وتتنافي تماما مع التوجيهات النبوية التي رفعت فيه مستوى الحيطة والحذر ليس فيما يخص الجدال فحسب ، بل حتى حين يتعرض المسلم للسب والشتم والإيذاء فلا يزيد على أن يقول : (إني صائم) .. حتى لا يشوب هذه العبادة العظيمة الجليلة أي شائبة ، وهذه صفة عباد الرحمن كما وصفهم في كتابه الكريم : { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}(63) الفرقان .

فإن شهر رمضان هو منحة ربانية ، وهبة إلآهية للعباد ، ومحطة للتزود بالفضائل ، والأعمال الصالحة .. فلاينبغي أن تزاحم أي اهتمامات دنيوية أخرى ذلك الكرم والفيض الإلهي فإنها "أيام معدودات" وستنقضي ، تتضاعف فيها الأجور والحسنات - الحسنة بعشر أمثالها إلى مائة ألف ضعف .. وفيه ليلة خير من الف شهر .. وفيه القيام والصيام وتلاوة القرآن .

ولا ينبغي أن تهدر هذه الفرص والمنح والهبات الربانية في مالا نفع فيه ولافائدة، فإذا لم نتغلب على الشياطين وهي مصفدة في قيودها .. فكيف سنتغلب عليها و سراحها مطلق ؟ 

 

اللهم بلغنا رمضان و أعنا على صيامه وقيامه إيمانا واحتسابا .