محافظة أبين من صوت مسموع إلى واقع منقسم
لم تكن محافظة أبين يوما محافظةً عادية في خارطة الوطن؛ فقد كان صوتها مسموعاً في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والتنموية، وكان حضورها فاعلاً في مراكز القرار، وتأثيرها واضحاً في المحطات الوطنية الكبرى. عُرفت بتماسك أبنائها، الذين كانوا على اختلاف توجهاتهم أقرب إلى أن يكونوا على قلب رجل واحد حين يتعلّق الأمر بمصلحة محافظتهم.
غير أن التحولات التي شهدها الوطن منذ عام 1990 شكّلت نقطة مفصلية في مسار أبين.
فمنذ ذلك التاريخ بدأت ملامح التغيير تتسارع، وتراكمت الخلافات، وتبدّلت الأولويات، حتى لم تعد أبين كما عرفها أهلها، تفرّق أبناؤها إلى فرق وتيارات، وانشغل كل فريق برؤيته الخاصة، متمسكاً بانتمائه السياسي، وكأن الرضا الذاتي بات يغني عن التوافق العام.
لم يكن هذا التباعد سياسياً فحسب، بل امتد أثره إلى الواقع التنموي والاجتماعي. ومع كل جولة خلاف كانت المسافة تكبر، وكانت المحافظة تدفع الثمن من استقرارها وخدماتها وفرص أبنائها، تعثّرت المشاريع، وخبت المبادرات، وتراجع الدور الذي كانت أبين تؤديه بثقلٍ وثقة.
ومع تعدد الاصطفافات تراجع الخطاب الجامع، وغابت الرؤية الموحدة التي تضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار، فأصبح المشهد حزيناً؛ إذ بدا البيت الأبيني الكبير يفقد تماسكه شيئاً فشيئاً.
ما تحتاجه أبين اليوم هو النوايا الصادقة قبل الشعارات، والعمل المخلص قبل الاصطفافات، تحتاج إلى مدّ الأيادي للتعاون في البناء والإعمار، والابتعاد عن حبّ الذات وتغليب المصالح الشخصية على حساب المصلحة العامة. فالمحافظة التي أنهكتها الأزمات لا تحتمل مزيداً من الصراعات الصغيرة، ولا مزيدا من الحسابات الضيقة.
كما أن من الضروري مراعاة الضعفاء والفئات الأكثر احتياجاً، وجعلهم في صدارة الأولويات، فاستقرار المجتمعات لا يُقاس بقوة الأقوياء، بل بمدى حماية الضعفاء وصون كرامتهم، إن العدالة الاجتماعية وتعزيز التكافل بين أبناء المحافظة يمثلان حجر الأساس لأي نهوض حقيقي.
وفي الجانب الأمني يجب على كل ابيني ان يكون نفسه رجل امن المحافظة، فالأمن مسؤولية جماعية، وأي تصدع في صفوفه ينعكس مباشرة على استقرار المجتمع بأكمله.
كما أن المرحلة تتطلب تلاحماً مجتمعياً واسعاً في مواجهة كافة الأطراف الخارجة عن النظام والقانون، عبر اصطفاف شعبي داعم لمؤسسات الدولة، يحمي السكينة العامة، ويعزز هيبة النظام، ويؤكد أن أبين قادرة على حماية نفسها بوحدة أبنائها وتكاتفهم.
إن عودة أبين إلى موقعها الطبيعي تبدأ من إدراكٍ بسيط أن قوة المحافظة كانت وستظل في وحدة أبنائها، وأن أي مشروع لا يجمعهم تحت سقف المصلحة العامة سيظل ناقصاً، مهما بدا مكتمل الأركان. فحين تتوحد الإرادة، تستعيد أبين صوتها، ويعود لها حضورها الذي عرفه الجميع.


