قناديل في ظلام الجهل: مدارس الوضيع الأولى

كتبها/ حسين السليماني الحنشي

إنها رحلة التعليم في مديرية الوضيع، من البداية إلى التأسيس المدارس الأولى، وهي قصة نجاح في ظل التحديات، تروي تاريخًا عريقًا من العزيمة والإصرار.

في مديرية الوضيع النائية، البعيدة عن مراكز التعليم، كان الجهل هو السائد، والظلام يخيم على الأفق. لكن بفضل الله ثم جهود أبناء المنطقة المخلصين، انطلقت مبادرات فردية لحقتها مبادرات شعبية من الرجال والنساء والشباب، لتكون شرارة البداية في إضاءة دروب العلم والمعرفة.

كان الرجال والشباب يقومون باستخراج الصخور وحملها على ظهورهم إلى مقطورات الحراثات التي يستخدمونها لنقل الحجارة آنذاك، وكانت تلك الحراثات تساهم من قبل ملاكها، بينما كانت النساء يجمعن الماء ويعدن الطعام، لتكون تلك الجهود المتواضعة أساسًا لبناء صرح التعليم في المنطقة.

وبعد ذلك، تم إنشاء أول مدرسة في القرى التي هي محور بعض القرى، وكانت هذه المدرسة بمثابة النواة الأولى في المناطق، التي تم اختيارها كمواقع متوسطة بين القرى لتسهيل المسافة على الأطفال للوصول إليها.

كانت تلك المدارس تتكون من فصلين إلى ثلاثة أو أربعة فصول دراسية، ثم ينتقل الطلاب منها إلى المدرسة الأكثر فصولاً، وكان الطلاب يتفاوتون في السن حتى وإن كانوا في مستوى دراسي واحد.

كانت تلك المدارس الأولى مليئة بالطلاب، وكان المواطنون يستقبلونهم بحب، حيث كان هناك تشجيع كبير على طلب العلم من قبل معظم الناس.

حتى إنك لتجد أعداداً كبيرة من الطلاب في المدرسة الواحدة، يأتون من القرى المجاورة للقرية التي تقع فيها المدرسة، وتجد الطلاب ينتشرون في الاستراحات يبحثون عن شربة ماء رغم شح الماء والموارد في ذلك الوقت.

لم يكن هناك تذمر من قبل الأهالي، بل قام البعض منهم بوضع "الزير"، وهو إناء كبير مصنوع من الفخار أو الطين لتخزين الماء، وكان البعض الآخر يمتلك "غربة ماء مصنوعة من جلد الأغنام" وهذه الغربة من الماء يتركونها للطلاب، لتكون تلك المبادرات الصغيرة رمزًا للتضحية والعطاء.

كانت المدرسة الأم في عاصمة المديرية تعج هي أيضًا بالطلاب، حيث تم إنشاء سكن للطلاب القادمين من مناطق بعيدة لتسهيل عملية التعليم، وقد تم إنشاء ذلك السكن الطلابي في بداية السبعينات، حيث وفرت الدولة كل متطلبات التشغيل من الخدمات التي تمكن من استقرار الطلاب واستمرارهم في الدراسة.

وكان هذا المبنى قد شارك فيه الأهالي بمبادرات شعبية ساهم فيها الكثير، إلى جانب الدولة آنذاك التي وفرت السقوف والاسمنت والأبواب والنوافذ وعمال البناء.

فكانت هذه المديرية رائدة في بناء المدارس على نفقتها لتصبح منارة للعلم والمعرفة لكل من يريد التّعلم، وكما شارك طلابها في بناء الوطن، لتكون تلك المدارس شاهدًا على عظمة الإنسان في مديرية الوضيع وقدرته على التحدي والإنجاز.

لقد كانت البداية في هذه المديرية صعبة، حيث لم تتوفر الإمكانيات الكافية، ولا المعلمون المؤهلون، ولا المباني المدرسية. لكن الرغبة في التعلم والتقدم دفعت أبناء المنطقة للعمل بجد لإنشاء هذه الصروح العلمية.

تم بناء المدارس من العشش وتحت الأشجار، لتكون الخطوة الأولى نحو الأمام دون تردد، وبعضها تم بناؤه بالحجر بشكل بسيط لا يتحمل الصمود لفترات طويلة، لكن المجتمع كان متحمسًا لإرساء أول بناء للمدرسة، والتي كانت تتكون من فصلين دراسيين فقط.

كان المعلمون من أبناء المنطقة الذين تلقوا تعليمهم في المدن المجاورة أو في عاصمة المحافظة، وكانوا يعملون بجد لتعليم أبناء قراهم، لتكون تلك الجهود المتواضعة أساسًا لبناء مستقبل أفضل.

على الرغم من التحديات الكبيرة، حققت المدرسة نجاحًا كبيرًا. بدأ الطلاب يتعلمون ويتخرجون، فقد كانت هذه المدارس بداية لمرحلة جديدة في تاريخ المديرية، حيث بدأ التعليم ينتشر، وبدأ أبناء المنطقة يلعبون دورًا مهمًا في بناء مستقبلهم ومستقبل أجيالهم.

إلى جانب ذلك، كان المعلمون الأوائل حتى نهاية الثمانينات من الرعيل الأول أو ممن عاشوا تلك الظروف الصعبة. كانوا يتمتعون بالنشاط والإخلاص والتفاني في سبيل تحقيق أهداف التعليم، حتى وإن كان على حساب أعمارهم.

هذه صفات حميدة تجدها معهم في جميع أحوالهم، ومما يعكس هذا الدور الإيجابي الترحيب بالمعلمين من قبل الأهالي، مما يجعلك تشعر بأنهم من أفضل الناس وأشرفهم.

فقد ساعدني الحظ أن أعمل مع من تبقى منهم لفترة قصيرة، تعلمت فيها الكثير. كنت أكن لهم الاحترام الكبير، فقد تركوا بصمتهم على جدران المدارس. حتى وإن لم ترها، فإن الحجر والشجر سيخبرانك بمن مر من هنا.

سلام عليكم يا من أخرجتم الصخور لتردموا حفر الجهل، وتبنوا بها سورًا لا يستطيع الجهل تجاوزه. سلام على أصابعهم وهي تحفر تحت الصخور لتجعل من الصخر الأصم مصابيح تضيء لنا دروب الحياة.

وسلام على المجتمعات التي تشابهت في أخلاقها، وكأنك تتحدث عن مدرسة وقرية واحدة، بل تتحدث عن قرى ومدارس وطلاب... فسلام على أرواحكم الطيبة.

وسلام على المعلمين والمعلمات الذين واجهوا أنواعًا مختلفة من المعاناة، لكن كانت وجوههم تتألق بالنور والإخلاص والتفاني.

سلام على سائقي السيارات الذين نقلوا الطلاب بصبرهم وحلمهم، لصغار كانت الشقاوة سلوكهم، وتحملوا كل ذلك بصدر رحب.

سلام على الطلاب الذين كانوا أطفالًا، لم يمنعهم الفقر والجوع والبرد والحرارة من الاستمرار في التعليم. بل كان بينهم من حصل على أعلى الشهادات العلمية، بالإضافة إلى قيادات كبيرة في القوات المسلحة والأمن والمرافق المدنية الأخرى.

بعدها تأسس التعليم الثانوي، في عام 1992م وكانت أول ثانوية في مركز المديرية "الوضيع" تم تأسيسها ضمن فصول المدرسة الأم الأولى في مركز المديرية، ثم تم بناء مبنى خاص بالثانوية مع قسم داخلي للطلاب البعيدين عن الثانوية.

بعدها تأسس التعليم الثانوي على امتداد المديرية، ويبلغ عددها اليوم ست ثانويات.

ومنها:
1- ثانوية الوضيع بنين، العاصمة، تأسست عام 1992م.
2- ثانوية لبو مختلط 1996م.
3- ثانوية الحردوب، مختلط تأسست عام 1997م.
4- ثانوية عزان مختلط تأسست عام 1999م.
5- ثانوية البنات الوضيع العاصمة، تأسست عام 2000م.
6- ثانوية الميدان تأسست عام 2000م.

إلى جانب التعليم الأساسي، الذي يبلغ عدد المدارس اليوم تسعًا وأربعين مدرسة.

وإليكم قائمة بأوائل تلك المدارس، بدءًا من الأسبق فالأسبق، ثم نقدم المدارس وفقًا لترتيب تأسيسها والمتشابها بالحروف الأبجدية.

1- مدرسة الوضيع العاصمة، تأسست عام 1951م.
2- مدرسة امحبيل لبو، تأسست عام 1961م.
3- مدرسة الحردوب، تاسست عام 1961م.
4- مدرسة امنقع تأسست عام 1961م.
5- مدرسة جحرة تأسست عام 1964م.
6- مدرسة المقطن تأسست عام 1965م.
7- مدرسة البطان تأسست عام 1966م.
8- مدرسة الحجل تأسست عام 1968م.
9- مدرسة أمكدو، تأسست عام 1968م.
10- مدرسة الكمع، تأسست عام 1968م
11- مدرسة أملزان ، تأسست عام 1969م.
12- مدرسة أمركد تأسست عام 1970م.
13- مدرسة الميدان تأسست عام 1970م.
14- مدرسة كورة العسعوس، تأسست عام 1971م.