جيل الفوانيس وجيل الهواتف

زراني احد الاصدقاء للإطمئنان على صحتى بعد وعكة صحية الزمتني البقاء في المنزل للراحه ، وقررت استثمر وقت بقائي في المنزل للراحة في تفريغ استبيان سابق ، تناولت فيه ظاهرة تدني مستوى التحصيل العلمي لطلاب وطالبات المرحلة الثانية في في محافظة تعز ، فأخرجت ظرف يحتوى على مجموعة اوراق وضعتها على طاولة صغيره كانت بجانبي 

وما أن شاهد صديقي تلك الأوراق  قال ' طالما وهذا الكم من الاوراق بجوارك انت بخير والحمد لله ، وأخذ يتصفح بعض من الاوراق وما إنتهى من أخر ورقة كانت بيده قال:" هذا استبيان ممتاز جداً تناول ظاهرة ذات أبعاد خطيرة على العملية التربوية والتعليمية فقراءتها محدودة بلغة سهلة بسيطة ، إلا أنها تحمل تشخيص عميق للواقع ، تكشف لنا من خلالها ظاهرة جديرة بالدراسة والبحث ، و تتطلب تضافر جميع الجهود ذات الصلة بالعملية التربوية والتعليمية ، وانت طرقت ظاهرة يشكو منها الجميع " ، وقلت له الفضل يعود للاخ العزيز  الأستاذ (كمال الشيباني) مدير ثانوية تعز الكبرى الذي كان ينظر لنفسه بأنه إزاء اقداس واجب تجاه طلابه ، وتقع على عاتقه مسؤولية بناء وإعداد هذا الجيل للمستقبل ، وسأتي للحديث عن ذلك لاحقاً ، وكذا الاخ العزيز (ماجد المقطري) مدير إدارة التأهيل والتدريب بمكتب التربية بالمحافظة ، الذي نقل وحدة التأهيل والتدريب نقلة نوعية ورسخ مهنة الإنتماء للتربية والتعليم ، واتخذ مبدأ الكفاءة المهنية والعدالة وعدم التميز "قيمة وسلوك" ، والموجه المركزي الاستاذ (محمد عبده القباطي) المتميز بالكفاءة العلمية والقدرة على أداء المهام بمستوى يحقق النواتج المطلوبة ، حيث كان لهما دوراّ في مراجعة فقرات الإستبيان والإشراف على تنفيذ الدراسة ، وكذا الاخ العزيز (علي دبوان) رئيس قسم موجهي المواد لما يقوم به من جهد في رفع كفاءة المعلمين علمياً   ومهنيا من خلال تزويدهم بكل مزهو جديد "يطرأ " على مسرح العملية التربوية والتعليمية من طرق وأساليب حديثة ، رغم أن الوسط الذي يعمل فيه وعلى وجه التحديد (إدارة التوجيه) موبؤ بالامراض الحزبية المقيتة التي إنحرفت بمسار هذا الجهاز التربوي الذي تقع على عاتقه مهة الارتقاء بأبعاد العملية التعليمية .

وخضت وصديقي حديث مطول بشأن المستجدات الأخيرة وكان موضوع الدراسة حاضراً وفي سياق حديثه  بقوله: "إحنا نعيش مرحلة مختلفة لم يشهد لها مثيل ولا  يدركها جيل اليوم. ، وأختتم حديثه بعبارة لافته اختصرت واقعاً تربوياً مؤلم شدتني كثيراً:( جيل الخمسينات والستينات تعلم على ضوء فانوس وصنع وعياً ومعرفة ، وجيل اليوم محاصر بشاشات الهواتف يعيش حالة خواء ) وقلت له استأذنك اول ما اخف من وعكتي ساجعل منها عنوان لموضوع قادم انشاء الله وكان هذا العنوان.

نعم أننا نعيش مرحلة مختلفة لم نشهد لها مثيل من حيث التطور التكنولوجي الحاصل ، مرحلة تعددت وتنوعت فيها مصادر المعرفة فاصبحت متاحه بالصوت والصوره ولم تعد المشكله فيها الحصول على مصادر  للمعلومات والمعارف بل اصبحت المشكله في الرغبة للحصول عليها ، جيل (الفوانيس) كانت لديه الرغبة للتعلم. ، لكن  المشكلة في مصادر وادوات المعرفة غير متوفرة ، اليوم وسائل التعلم والمعرفة متوفرة لكن لا يوجد الجيل الذي يريد أن يتعلم ، فشتان بين جيل "الفوانيس وجيل الهواتف" ، جيل الفوانيس كان متسلح بالإرادة فكان الطالب يسير مسافات طويلة للوصول للمدرسة من أجل حضور حصة دراسية بداخل فصل دراسي من الطين وبلا مقاعد ، وتعلم في ظروف قاسية جداً ، وإمكانات منعدمة ، فكان الطلاب يجتمعون في منزل واحد ، منهم يقرأون ويحفظون أو يتفقوا فيما بينهم على جدول لتداول الكتاب ، فكان الطالب ينتظر دوره ويقوم بنسخ الكتاب بيده وعلى ضوء (الفانوس) أو (السراج)

نعم  تعلموا في الظلام لكنهم صنعوا عقولا ، فتخرج على أيديهم الطبيب و المهندس والقائد والمفكر و الفيلسوف والطيار والقاضي والمعلم رغم كل تلك الظروف القاسية التي رافقت مسيرة حياتهم العلمية ، بحثاً عن المعرفة ، جيل أمن بأن التعليم هو حجر الأساس في بناء القاعدة المعرفية للإنسان وجسر عبور المجتمعات نحو التغيير والتقدم المنشود 

اليوم إنقلب المشهد رأساً على عقب لم يعد الكتاب أو المعلم مشكلة ، بل  توفرت  كل وسائل التعليم وبأشكال لم يكن يحلم بها جيل الفوانيس ، منصات رقمية مكتبات الكترونية محاضرات مفتوحة وأجهزة متعددة الأغراض والمهام ، لكن الرغبة للتعليم والتعلم منعدمة
يتبع