سقوط الكذب في زمن الحقيقة المكشوفة

في زمنٍ مضى، كان الكذب قادرًا على العيش طويلًا. حين كانت المعلومة تمر عبر قنوات محدودة، ويكفي أن يمتلك المرء منبرًا أو صوتًا أعلى حتى يفرض روايته. الراديو والتلفزيون او الجريدة كانت هي النوافذ الوحيدة، وما يُقال فيها يُستقبل كحقيقة شبه نهائية، بلا قدرة على التحقق أو المقارنة أو الاعتراض.
لكن هذا الزمن انتهى بلا رجعة.

نحن اليوم نعيش في عصر الفضاء المفتوح، حيث لم يعد بمقدور أي شخص، كائنًا من كان، وفي أي موقع كان، أن يُخفي فعلًا أو يُمرر كذبًا أو يُزيّف واقعًا كما في السابق. الهاتف المحمول في يد الناس، والكاميرا الحاضرة في كل لحظة، ووسائل التواصل الاجتماعي، جعلت من كل فرد شاهدًا، ومن كل حدث مادة مكشوفة قابلة للنشر والتداول فور وقوعها.

لم يعد الكذب محصورًا في دائرة ضيقة، بل بات يواجه جمهورًا واسعًا يمتلك أدوات التحقق والتوثيق والمقارنة. صورة واحدة قد تهدم خطابًا كاملًا، وتسجيل قصير قد يُسقط رواية طويلة، وتصريح قديم محفوظ كفيل بفضح تناقض جديد. الأخطر من ذلك أن الكذب لم يعد يختفي مع الوقت، بل يُؤرشف، ويُستدعى، ويُقارن، ويُحاسَب صاحبه عليه متى شاء الناس.

في هذا العالم، لم تعد المشكلة في انكشاف الكذب فقط، بل في سرعة انتشاره حين يُكشف. فما إن يظهر التناقض حتى ينتقل من يد إلى يد، ومن منصة إلى أخرى، وينتشر كالنار في الهشيم، دون قدرة على السيطرة عليه أو احتوائه. لقد تحوّل الفضاء الرقمي إلى محكمة مفتوحة، لا تعترف بالمناصب، ولا تُجامل الألقاب، ولا تحترم إلا الوقائع.

ولذلك تغيّرت معايير القوة. فلم يعد النفوذ وحده كافيًا، ولا الخطاب المزخرف مجديًا، ولا التبرير المتأخر مقنعًا. المصداقية وحدها هي التي تصمد، لأنها تبني الثقة قبل الحاجة إليها، وتمنح صاحبها هامش الخطأ دون السقوط، وتجعله ثابتًا حين تتبدل الظروف.

ولهذا، فإن من أراد النجاة في هذا الزمن، سواء كانوا أفرادًا عاديين، أو مسؤولين، أو حكومات، أو رؤساء، أو حتى دولًا، فعليهم أن يتحرّوا المصداقية. فالمصداقية لم تعد قيمة أخلاقية مثالية فحسب، بل أصبحت حبل النجاة الوحيد في عالم مكشوف، لا يرحم الزيف ولا يمنحه فرصة دائمة.
وقد قيل في المثل اليمني "من تغدى بكذبة ماتعشى بها " ..