لماذا يخفت وهجُ رمضان سريعًا؟!!
بقلم:. د. سعيد سالم الحرباجي
ما إن يهلّ هلالُ رمضان حتى يهبَّ الكثيرون منّا هبّةً قوية، ويُشمّروا تشميرًا حثيثًا، وينطلقوا انطلاقةً سريعة، ويفطموا أنفسهم فطامًا مباشرًا...
ظنًّا منهم أنّ تلك الشدّة على النفس هي المفتاح السحري الذي سيُروّضها، وأنّ ذلك التشمير الحثيث هو من سيُهذّبها، وأنّ تلك الانطلاقة السريعة هي من سيؤدّبها، وأنّ ذلك الفطام القاسي هو من سيُثبّتها على الطاعات خلال هذا الموسم...
تلك التصرّفات تأتي بعد قطيعةٍ تامّة عن الصيام لعامٍ كامل، وتقصيرٍ مُخلّ بالطاعات لسنةٍ كاملة... وفجأة — وبدون رتوش — يُقدِم المسلم على خطوة كهذه، ويستعدّ لميدان النزال بروح المنتقم من نفسه لا بروح العابد، وبعقليّة المُدان لا بفِكر الحكيم.
فتتوهّج شعلة الإيمان سريعًا، وينطلق في رحاب الإيمان بعزيمةٍ لا تلين، ويُشمّر في ميدان العبادات بشغف.
يحمل على ظهره تقصير عام، ويريد أن يُعوّضه في ليلةٍ واحدة، ويدخل رمضان بذنوب سنةٍ قمريّة كاملة، ويظنّ أنّه سيمحوها بصيام نهار، وقيام ليل!
فيُهاجم الطاعات هجومًا محمومًا: قيامٌ طويل، ختماتٌ متلاحقة، صدقاتٌ متتابعة، وصِلَةٌ بلا توقّف.
ويظنّ أنّ ذلك مجاهدةٌ للنفس... وفي الحقيقة إنّما يفعله الكثيرون بهذه العقليّة هو إرهاقٌ للنفس، وخروجٌ عن المألوف...
ذلك أنّنا لسنا آلاتٍ تُدار بزرّ، ولا بطّاريات تُشحن دفعةً واحدة. نحن كائناتٌ لها إيقاع، وسِعة، وحدود. وحين نقفز فجأةً من أقصى الغفلة إلى أقصى الاجتهاد، نُحدِث في داخلنا ارتجاجًا عنيفًا، فتتكسّر الهمّة، وتخور الإرادة، ثمّ نسقط... لا لأنّ الطريق طويل، بل لأنّ الانطلاقة كانت خاطئة.
ولهذا تمتلئ المساجد في الليالي الأولى، ثمّ تتناقص الصفوف سريعًا، ويخفت التوهّج رويدًا رويدًا... ليس لأنّ القلوب زهدت في الله، بل لأنّها أرهقت نفسها في الله... فعبدت نشوة البداية، ثمّ عجزت عن صبر الاستمرار!
فَوْرة الحماس هو الوقود الخادع، هو الشعور المتوهّج الذي تصنعه أجواء رمضان: أضواء المساجد، أصوات التراويح، دفء اللّمّة، دفقة البداية... وقودٌ جميل، لكنّه سريع الاشتعال، أسرع في الاحتراق، لا يصمد أمام رتابة الأيام، ولا يقوى على عبء الاستمرار.
أيّامٌ قلائل... حين تخفت المؤثّرات، وتسكن الضوضاء، ويصبح رمضان أيّامًا عاديّة بصيامٍ وقيام، ينكشف المعدن الحقيقيّ للقلوب: فمن كان يعبد الجوّ ينطفئ، ومن كان يعبد الله يثبت. فالله لا يُعبد في الأجواء المثاليّة فقط، بل يُعبد في التعب، والفتور، والملل، والروتين، حين لا يبقى في القلب إلا الإخلاص.
لذلك كانت سُنّة التدرّج: الطريق الذي لا يخون، والسراج الذي لا ينطفئ، والزاد الذي لا ينفد... تلك سُنّة الله في مخلوقاته، فلا شيء ينمو فجأة، ولا شيء يكتمل قفزًا...
الجنين يمكث تسعة أشهر في ظلماتٍ ثلاث، والشجرة تحتاج أعوامًا حتى تُثمر، والجبال لم تُبنَ في يومٍ وليلة.
هكذا تُصنع الأشياء العظيمة: ببطء، بصبر، بثبات... وأنت تريد أن تُصنع روحك في ليلة، وأن تُبنى علاقتك بالله في دفعةٍ واحدة!
لقد علّمنا النبي ﷺ منطق السماء فقال: «أحبّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ». ليس لأنّ الله يحبّ القليل، بل لأنّه يحبّ الصدق، ويحبّ الثبات، ويحبّ الخطوات التي لا تتوقّف، ولو كانت صغيرة.
القليل الدائم... معجزة خفيّة.
ركعتان ثابتتان كلّ يوم، أحبّ إلى الله من قيام ليلة يعقبها انقطاع. وقراءة صفحة قرآن يوميّة، أزكى عند الله من ختمة تُنسى بعدها المصاحف. وصدقة قليلة مستمرّة، أنقى عند الله من دفقةٍ عاطفيّة موسميّة.
ذلك أنّ القليل الدائم يصنع روحًا جديدة، ويُربّي قلبًا حيًّا، ويؤسّس علاقةً حقيقيّة بالله، لا تقوم على الانفعال، بل على الوفاء.
نصيحة:
لا تدخل رمضان بعقليّة المنتقم من نفسك، بل بروح الرفيق بها. لا تُشعل روحك بنار الحماس، بل أنِرها بسراج الثبات. فالدين ليس سباق سرعة، بل مسيرة عمر.
والفائز ليس من انطلق بقوّة، بل من وصل بثبات.


