الحل سياسي
حين تتكاثر الجراح ويطول الانتظار، لا يبقى للشعوب سوى صوتها الصادق. والقضية الجنوبية ليست بنداً عابراً في مفاوضات، ولا شعاراً يُرفع في موسم السياسة، بل هي قضية سياسية بامتياز، تتطلب حلاً سياسياً توافقياً عادلاً، يُرضي شعب الجنوب، ويحفظ لليمن استقراره، ويراعي حسابات الإقليم وتوازناته.
لقد آن الأوان للاعتراف بالحقيقة: لا يمكن معالجة أزمة سياسية عميقة بأدوات مؤقتة أو شعارات عاطفية. الحل يبدأ بمسار واضح، شفاف، محدد الأهداف، يُبنى على حوار صريح وضمانات حقيقية. لكن المؤلم أن هذا المسار، رغم وضوحه، يتعثر بفعل تناقضات القوى التي يفترض بها أن تقود الحل.
فبدل أن تتوحد الجهود خلف مشروع وطني جامع، نجد أنفسنا أمام مشهد مقلق؛ الانتقالي – الذي يُفترض أنه حامل قضية الجنوب – يبدو في كثير من المحطات وكأنه يخدم حسابات الشمال أكثر مما يخدم تطلعات الجنوبيين. وفي المقابل، تتحرك الشرعية في اتجاهات تخدم من يريد استعادة الدولة الجنوبية بصيغة تؤدي في نهاية المطاف إلى تقسيم البلاد أو إعادة إنتاج الصراع بشكل آخر. وبين هذين المسارين، تضيع البوصلة الوطنية، ويُختزل الوطن في حسابات ضيقة.
إن حل القضية الجنوبية يجب أن يكون سياسياً بامتياز، وفي إطار دولة يمنية جامعة، قائمة على شراكة عادلة، وعدالة في توزيع السلطة والثروة، وضمانات دستورية تحمي الجميع من عودة التهميش أو الإقصاء. دولة تعترف بالمظلومية، وتفتح باب المعالجة الجادة، لا المناورة المرحلية.
أما المواجهة مع جماعة أنصار الله الحوثي فهي معركة من طبيعة مختلفة. لقد فُرضت بقوة السلاح، ولا يمكن إنهاء آثارها إلا بحسم عسكري يحمي الدولة ويمنع تكريس واقع الانقلاب.
التفريق بين المسارات ضرورة وطنية: الجنوب يُحل بالحوار والسياسة، والانقلاب يُواجه بالحسم العسكري .
لكن وسط كل هذه الحسابات، يبقى المواطن هو الضحية. الجميع مستفيد من هذا المسلسل الطويل؛ قوى تعزز نفوذها، وتحالفات تعيد ترتيب أوراقها، ومصالح تتغذى على استمرار الأزمة.
وحده المواطن يدفع الثمن يومياً: اقتصاد ينهار، خدمات تتلاشى، أحلام تتبخر، وأجيال تكبر في ظل القلق واللايقين.
أما آن الأوان أن تتوقف هذه الدوامة؟
أما آن للقوى السياسية أن تدرك أن الشعوب لا تنتظر إلى الأبد، وأن الأوطان لا تُدار بالأزمات بل تُبنى بالإرادة؟
إن اليمن – شمالاً وجنوباً – يستحق فرصة جديدة. فرصة للسلام الحقيقي، وللبناء والتعمير، واستعادة مؤسسات الدولة، والسير بخطى ثابتة لمواكبة دول المنطقة التي سبقتنا في الاستقرار والتنمية. لا نريد وطناً يعيش على حافة الانقسام، بل وطناً يتسع للجميع، ويصنع مستقبله بقراره الحر.
الحل سياسي… لأن السياسة العادلة تصنع الدول، أما استمرار هذا المسلسل فلن يصنع إلا مزيداً من الخسائر. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل نملك الشجاعة لننحاز أخيراً للوطن والمواطن… لا للمصالح؟


