يوم الفرقان والتحول التاريخي العظيم في ارض بدر
بقلم | أيمن مزاحم
في صبيحة اليوم السابع عشر من شهر رمضان المبارك وقف التاريخ على اطراف اصابعه ليشهد الفصل الاول من فصول العزة والكرامة حيث اجتمع القليل من المؤمنين بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في وادي بدر لمواجهة جيش قريش الذي فاقهم عددا وعدة في معركة لم تكن مجرد صدام عسكري بل كانت في جوهرها انتصارا للروح والارادة على المادة والكثرة العددية فكانت بحق يوم الفرقان الذي ميز الله به بين الحق والباطل ورسم ملامح الدولة الاسلامية الفتية التي بدات تفرض هيبتها في ربوع الجزيرة العربية
كان المشهد في ذلك اليوم مهيبا للغاية حيث استعرض النبي صلى الله عليه وسلم صفوف اصحابه الذين لم يتجاوز عددهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا وهم يحملون في صدورهم ايمانا يزن الجبال بينما كان ابو جهل يقود الف مقاتل من قريش بخيلهم وفخرهم وقد تجلت في تلك اللحظات اروع معاني التوكل حينما اتجه الرسول الكريم نحو القبلة رافعا يديه الى السماء يناجي ربه بقلب خاشع ومستغيثا بخالقه ان ينزل نصره الذي وعد حتى سقط رداؤه عن منكبيه من شدة التضرع فجاءت البشارة بالمدد الالهي من الملائكة لتملا قلوب المؤمنين طمانينة وثباتا امام الحشود الزاحفة
بدات المعركة بالمبارزة التقليدية التي اشعلت حماس المقاتلين حيث برز حمزة بن عبد المطلب وعلي بن ابي طالب وعبيدة بن الحارث لمواجهة صناديد قريش فكانت الغلبة لفرسان المسلمين الاوائل مما كسر شوكة العدو منذ اللحظات الاولى ثم التحم الجيشان في صراع مرير سطر فيه المهاجرون والأنصار ملاحم من التضحية والفداء وهم يذودون عن نبيهم ودينهم حتى تهاوت رؤوس الكفر واحدا تلو الاخر وعلى رأسهم ابو جهل الذي كان يمثل رمز الطغيان والظلم في مكة لتنتهي المعركة بنصر مؤزر غير مجرى الاحداث في المنطقة باسرها
لم تكن نتائج بدر مقتصرة على الغنائم والاسرى فحسب بل كانت نصرا معنويا وسياسيا واقتصاديا كبيرا حيث تحولت المدينة المنورة من مجرد واحة ياوي اليها المهاجرون الى مركز قوة يهابه الجميع وصار للمسلمين كيان مستقل يحسب له الف حساب واصبحت ذكرى هذا اليوم خالدة في الوجدان الانساني كدليل قاطع على ان الفئة القليلة الصابرة يمكنها ان تغلب الفئة الكثيرة باذن الله لتظل شمس بدر مشرقة في سماء التاريخ تضيء دروب العزة لكل من يبتغي الحق والعدل في هذا العالم
وبذاك تاتي ذكرى السابع عشر من رمضان لتطرق ابواب الوجدان وتستنهض في نفوسنا قيم الصمود والعزيمة التي تجلت في العام الثاني للهجرة عند ابار بدر ذلك المكان الذي شهد ميلاد فجر جديد للامة حيث لم تكن المعركة مجرد صدام عسكري بل كانت تجسيدا للارادة الحرة في مواجهة الظلم والاستبداد فاستحال ثلاثمئة وبضعة عشر رجلا بصدقهم وثباتهم قوة كبرى هزت اركان جيش قريش الذي فاقهم عددا وعدة واثبتت ان الحق لا يقاس بالاعداد بل بالايمان والهدف السامي
ومن احداث ذاك اليوم نستذكر واياكم محبي القراءة مابدا السرد به ببداية نصي كيف كانت محاولة اعتراض عير قريش القادمة من الشام بقيادة ابي سفيان لتتحول الى ملحمة كبرى بعد نجاة القافلة واصرار صناديد مكة على القتال فكانت لحظات الشورى التاريخية بين القائد وصحبه تجسيدا لرقي المجتمع وبناء الثقة حيث برزت تضحيات المهاجرين والانصار جنبا الى جنب في ميدان واحد وتحت راية واحدة فكان النصر حليفا لمن صمد وبذل الغالي والنفيس في سبيل مبادئه
لذا ان التامل في روح ذلك اليوم الخالد يكشف لنا كيف استطاع المجتمع المسلم الاول ان يصيغ نموذجا فريدا في التلاحم حين سطر اربعة عشر شهيدا بدمائهم خارطة الطريق نحو العزة والكرامة فكانت نتائج بدر تحولا جذريا في هيبة الدولة الناشئة وتحسنا ملموسا في واقعها المادي والمعنوي مما جعل من يوم الفرقان مدرسة علمتنا ان النجاح المجتمعي يبدا من وحدة الصف ونبذ الفرقة والتحلي بروح المسؤولية التي تحفظ كرامة الانسان وتعيد صياغة هويته في اطار من العدل والمساواة
واليوم ونحن نستنشق عبير هذه الذكرى في واقعنا المعاصر نجد اننا بحاجة ماسة لاستحضار معاني بدر في معاركنا الفكرية والاجتماعية والثقافية فبدر المعاصرة تكمن في قدرتنا على تجاوز الياس وتفعيل ادوات العلم والعمل والترابط بين افراد المجتمع لبناء كيان مهاب الجانب يواجه تحديات العصر بنفس اليقين الذي ملا قلوب اهل بدر فالحياة انتصار لمن امتلك الرؤية وامن بالحق وسعى لخدمة الانسانية بصدق وامانة


