بين الرحى و التنور
كتبها .أ.د.الخضر حنشل
كانت ليالي رمضان ،وأمسياته في القرية لا تشبه بقية الليالي ،فحياة الناس،وطقوسهم في رمضان لامثيل لها في سائر أيامهم .
لرمضان حكايات كثيرة في القرية،لعل أبرز وأعظم ما علق في ذاكرتي ذلك الرمز المبارك الذي لا يخلو منه بيت من بيوت منطقتنا الحبيبة الفسيحة الممتدة من سفوح الجبال حتى ضفاف البحر ..
أنه ذلك الرمز المعطاء الذي كنت أراه يزداد توهجا في ليالي رمضان..
فما أن يحل وقت الأصيل حتى نرى شعاع دخان التنور المبارك يطاول عنان السماء يمرق من كل بيت من بيوت قريتنا الجميلة الرابضة على سفح ذلك الوادي العتيق..
كان الدخان يتسرب من بين حجرات تلك البيوت المباركة يمرق رويدا رويدا و تتعقبه ألسنة اللهب دالا على أن موعد التجهيز للطعام قد بدأ..
كانت السواعد النسوية العظيمة تتدلى نحو قعر التنوير غير عابئة بلسعة النار ،ولهيب الجمر..كن نساء من صنف بشري نادر لا مثيل لهن في نساء هذه الأيام التي لاتعرف معاصمهن سوى الكريمات والبودر..والبهرجة..
كن نساء عظيمات لا يتعاطين الواقع بكسل واتكال ،ولا تعرف قلوبهن سوى التضحية ،يسارعن إلى فعل الخير مسارعة المطر الذي استدبرته الريح في عز الصيف.. وبجانبهن رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه، قلوبهم لا تعرف الجزع،، وفي أياديهم يطاطىء العجز والكسل راسه منحنيا لقوة إرادتهم ، وعزيمتهم الجبارة..وبالقرب من هؤلاء تصنع القرية من الصبية رجالا قبل الأوان ..
الكل يرحل لمبتغاه ..يعملون جاهدين ،ويمضون سادرين للجهاد اليومي ،وما أن يعلن المذياع الجلدي موعد الإفطار حتى تتقاطر النسوة في جمع ذلك الطعام الرائع الذي صنعته أياديهن من بين براثن الدخان والنار في ذلك التنور الطيني الرهيب..
ويحلو السمر في ذلك الليل الساجي المقمر فترى الرجال يتبادلون الأحاديث الجميلة،،و النسوة يقمن بطحن حبوب الذرة البيضاء الرفيعة على الرحى الحجري استعدادا لليوم التالي..وتدور الايام ومعها تدور عجلة الحياة بين الرحى و التنور..
مرت السنون ، فصارت تلك الايام العظيمة ضربا من الماضي الجميل كلما ذكرته يراودني الحنين إليه ،فا شعر أن أنبل مافي جسدي ينحني اجلالا وتقديرا لتلك الوجوه التي من المؤكد أن معظمها ترقد في مكان ما من تلك البقعة الطاهرة ..


