﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ "من رحم العاصفة يولد الفجر" تأملات قرآنية في صراعات القوى العظمى،،
في مسيرة التاريخ لحظاتٌ تبدو فيها
الأحداث كأنها عواصف عاتية، تضطرب فيها الموازين، ويخيَّل للإنسان أن الشر قد استحكم وأن الفوضى قد غلبت الحكمة.
غير أن القرآن يفتح للإنسان أفقًا آخر للنظر... أفقًا يرى وراء ظواهر الأحداث سنن الله العميقة في حركة التاريخ.
ومن بين الآيات التي تضيء هذا الأفق قول الله تعالى:
﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾
لقد نزلت هذه الآية في سياق حادثة الإفك... حين بدأ الحدث في ظاهره فتنةً عميقةً تهز المجتمع المسلم، وتكاد تعصف بالثقة بين أفراده.
كانت القلوب يومئذٍ مثقلةً بالألم، وكان المشهد يبدو وكأنه شرٌّ محض يهدد البنية الأخلاقية للأمة.
لكن الوحي الإلهي كشف أن ما بدا شرًّا في لحظته لم يكن في ميزان الحكمة إلا مرحلةً من مراحل التمحيص والتطهير.
فقد كشفت الفتنة وجوه المنافقين، وثبَّتت قلوب المؤمنين، وأعادت رسم الحدود الواضحة بين الصدق والزيف.
وهكذا تحولت المحنة إلى لحظة كشف، وتحول الألم إلى بداية وعيٍ جديد.
ومن هذا المنظور القرآني يمكن للإنسان أن يقرأ كثيرًا من الأحداث الكبرى التي يشهدها العالم اليوم.
فالصراعات المتصاعدة بين القوى العظمى – بين الشرق والغرب – والتي يُشار إليها أحيانًا بصورة رمزية بصراع الفرس والروم، حيث تقف إيران في أحد أطراف المعادلة بينما تمثل الولايات المتحدة والقوى الغربية الطرف الآخر، تبدو في ظاهرها مجرد تنافس سياسي أو صراع مصالح جغرافية واستراتيجية.
غير أن القراءة المتأملة تكشف أن مثل هذه الاضطرابات لا تكون مجرد أحداث عابرة، بل كثيرًا ما تكون لحظاتٍ تاريخيةً فاصلة تعيد تشكيل الوعي وترتيب الموازين.
أولًا: لحظة سقوط الأقنعة:
في أوقات الصراع الكبرى تتهاوى الأقنعة التي كانت تخفي الوجوه الحقيقية للقوى المتصارعة...
فالشعارات التي كانت تبدو براقةً تنكشف عن مصالحها العارية، والخطابات التي كانت تتزين بمفردات العدالة والحرية يظهر ما وراءها من حسابات القوة والنفوذ.
وهذه اللحظة من الوضوح – رغم مرارتها – هي لحظة ثمينة؛ لأنها تمنح الشعوب قدرةً أعمق على فهم الواقع وتمييز الحقائق من الأوهام.
فالواقع السياسي لا يُفهم من خلال ما يُقال في الخطابات، بل من خلال ما تكشفه الأحداث عن حقيقة المقاصد.
ثانيًا: يقظة الأمم:
كثيرًا ما تكون الأزمات الكبرى نداءَ استيقاظٍ للأمم.
فعندما تدرك الشعوب أن صراع القوى الكبرى يجري فوق أرضها أو حول مصيرها، وأنها إن لم تمتلك مشروعها الخاص ستبقى مجرد ساحةٍ للصراع بين الآخرين، تبدأ مرحلة جديدة من الوعي.
حينها تتحرك العقول، وتُستنهض الطاقات، ويبدأ التفكير في بناء مستقبلٍ مستقل قائم على الإرادة والقدرة.
وهذه اليقظة لا تولد عادةً في أزمنة الراحة، بل تتشكل في رحم الأزمات؛ لأن الألم كثيرًا ما يكون المعلم الأقسى، لكنه أيضًا المعلم الأكثر صدقًا.
ثالثًا: إعادة تشكيل التوازنات العالمية:
التاريخ يعلمنا أن لحظات الصراع بين القوى الكبرى غالبًا ما تعيد رسم خريطة العالم.
فحين تتصادم المصالح الكبرى ينهار التوازن القديم، وتُفتح أبواب لتحولات لم تكن متوقعة.
وفي مثل هذه اللحظات قد تظهر فرص جديدة للأمم التي كانت على هامش التاريخ.
{لكنها لا تصبح فرصًا حقيقية إلا إذا وُجدت الإرادة القادرة على إدراكها واستثمارها.}
رابعًا: العودة إلى السؤال الحضاري:
فعندما يحتدم الصراع بين المشاريع السياسية، يعود السؤال الأعمق ليطل برأسه من جديد:
أيُّ مشروع يمكن أن ينهض بالإنسان ويحقق له العدل والكرامة؟
هنا يتجلى البعد الأخلاقي للإيمان...
فالإنسان المؤمن لا يرى الأحداث مجرد لعبة مصالح عابرة، بل يقرأها بوصفها محطات اختبارٍ لقيم الإنسان ورسالة الحضارة.
ومن هنا تصبح الأزمات فرصة لإعادة طرح السؤال الحضاري الكبير:
أيُّ طريق يمكن أن يقود البشرية نحو عدلٍ حقيقي وسلامٍ أصيل؟
خامسًا: التأمل في حكمة الله في التاريخ:
إن الآية الكريمة لا تدعونا إلى تبرير الشرور ولا إلى التغاضي عن المآسي، بل تدعونا إلى أن ننظر أبعد من ظاهر اللحظة.
فربما كانت في قلب الاضطراب بذرة تحولٍ تاريخي، وربما كان الألم مرحلةً من مراحل التكوين لواقعٍ جديد.
ولهذا يحتاج الإنسان في تعامله مع الأحداث الكبرى إلى ميزانين متكاملين:
ميزان العمل والإصلاح، الذي يدفعه إلى البناء والسعي والتغيير.
وميزان الثقة بحكمة الله، الذي يمنحه الطمأنينة بأن حركة التاريخ لا تسير في فراغ، بل تجري وفق سننٍ إلهية عميقة.
إن التأمل في قوله تعالى:
﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾
يكشف لنا قانونًا من قوانين التاريخ: أن الفتن – رغم قسوتها – قد تكون لحظات كشفٍ وتمحيص، وأن الأزمات قد توقظ الأمم من سباتها، وأن الصراعات الكبرى قد تعيد ترتيب العالم وتفتح آفاقًا جديدة لمن يملك البصيرة والإرادة.
ومن هنا يتعلم الإنسان أن ينظر إلى الأحداث بعينين:
عين تعمل في الواقع إصلاحًا وبناءً، وعين تثق بحكمة الله في تدبير التاريخ.
وعندها فقط يدرك أن العواصف ليست دائمًا نهاية الطريق، بل قد تكون بداية فجرٍ جديد… وأن ما يبدو شرًّا في لحظته قد يكون في ميزان القدر خيرًا لم تتكشف حكمته بعد.


