تدافع الأمم وصدام الحضارات - من (بن تيمية إلى هنتنغتون) ..

من المعلوم أن " الحركة" هي السمة الأبرز لمكونات الكون فاطبة .
ولا ريب بأن التاريخ يُعَد من أهم تلك المُتَحركات وبالنظر لحركته أي" التاريخ" فإن حركته ليست صراعا عشوائيًا بين القوى بل ذلك محكوم بسنن وقوانين محكمة
تضبط مسار الأمم صعودا وسقوطا .
ومنذ قرون عبّر الفكر الإسلامي عن هذه الحقيقة بـ مفهوم "التدافع" بينما صاغها الفكر الغربي المعاصر في أطروحات متعددة أبرزها "صدام الحضارات" .
وبين التصورين الاسلامي والغربي تبدو فكرة مشتركة واحدة وحاضرة بنفس الوقت وهي أن "التاريخ لا يسير بالسكون ولا ينطلق بالجمود بل بمفاعيل التنافس والصراع بين القوى والقيم" .
فهنا يرى بن تيمية أن التغيير ليس مجرد تَبَدُّلٍ في الظواهر وتبادلٍ في المظاهر بل هو تحول عميق في السلوك والإرادة والقيم .
فالسنّة الإلاهية تقرر بوضوح أن مصير الأمم مرتبط بما يحدث داخلها من تحولات أخلاقية وفكرية وقِيَمِية إذ يقول الله جل شأنه :
"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" .
فإذا صلحت الإرادة واتجهت نحو الإصلاح والعدل تغيّر حال الأمة نحو القوة والعمران وإذا انحرفت نحو الفساد والترف والوهن تغيّر حالها إلى الضعف والانكسار .
ومن هنا يأتي مفهوم التدافع باعتباره قانونًا حضاريًا يمنع استقرار الظلم والطغيان في الأرض . 
فالتاريخ وفق الرؤية القرآنية يقوم على مبدأ (توازن القوى) بين الحق والباطل إذ يقول تعالىٰ :
"ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض" .
فهذا التدافع ليس مجرد صراع للهيمنة بل آلية إصلاحية تحفظ العمران الإنساني وتمنع تحوله إلى فوضى أو استبداد شامل ..

وفي العصر الحديث أعاد بعض المفكرين الغربيين قراءة هذا المعنى من زاوية مختلفة .
حيث طرح صموئيل هنتنغتون فكرة “صدام الحضارات” بوصفها الإطار الذي سيتشكل من خلاله النظام العالمي بعد الحرب الباردة .
ورغم اختلاف المنطلقات بين الرؤية الإسلامية والرؤية الغربية إلا أن كليهما يعترف بأن العالم "محكوم بحركة تنافس حضاري مستمرة" غير أن الفرق الجوهري يكمن في الغاية ، فبينما يميل التصور الغربي إلى تفسير الصراع باعتباره "تنافسًا على النفوذ والسيطرة وإعمالا للهيمنة" ترى الرؤية الإسلامية أن التدافع "وسيلة لحماية العدل ومنع الفساد وأنه بناء وعُمران" .
وفي ظل التحولات الجارية اليوم - من الحروب الإقليمية إلى إعادة تشكيل موازين القوى الدولية - تبدو هذه الفكرة أكثر
وضوحًا ، فالعالم يعيش مرحلة تدافع حضاري جديد تعاد فيه صياغة التحالفات ومراكز القوة بينما
 تقف كثير من
 المجتمعات العربية في موقع المتفرج بدل
 أن تكون فاعلًا في
 معادلة التغيير .
إن المشكلة الحقيقية
 لدى العرب خصوصا والمسلمين عموما لا تتمثل في "نقص الامكانات" فحسب !
 كون ذلك النقص ليس إلا {قَدَراً مؤقتًا} وليس {قَدَراً مؤبدا} .
 بل إن المشكلة تكمن في "الوهن" أي فقدان الإرادة رغم امتلاك عناصر القوة .
وحين استسلمت غالبية العرب خصوصا والمسلمين عموما
 للوهن خرجت هذه الأغلبية من معادلة التدافع وتحولت من مرتبة صناعة التاريخ إلى ساحة صراع للقوى الأخرى تتدافع وتتنازع على حسابها وفوق أشلائها .

ولهذا فإن معادلة النهضة لا تبدأ بخطوات من الخارج بل بـ ثلاث خطوات من الداخل :
1-إصلاح الإرادة 
2-بناء الوعي
3-إستعادة القدرة على الفعل الحضاري .
فبالقدر الذي لا يقبل الواقع فيه أقوامَ الفهاهة ولا أكوام الغثاء فإن التاريخ بدوره أيضا لا يرحم الأمم التي تتخلى عن دورها !
وفي كلا الحالين فإن سنن التدافع تمضي دون توقف بل تعمل بشكل مستمر لتفرز صنفين من الناس :
 الأول منهما هو منـ
"يمتلك إرادة البناء وطموح الإعمار"
وثانيهما هو من يرضى بـ "القبوع في المؤخرات والبقاء في الهوامش" .

ليبقى السؤال :
أكو عرب ؟ !