إيقاف التهباش… المعركة الأولى أمام الرباش

بقلم: أ.د مهدي دبان

أبين… محافظة تاريخية ضاربة جذورها في أعماق التاريخ، تتنوع جغرافيتها كما تتنوع إمكاناتها؛ ففيها الأودية والسهول والأراضي الخصبة، وسواحل غنية بجميع أنواع الأسماك والأحياء البحرية، وتشتهر كذلك بالثروات الحيوانية والمراعي الخصبة. محافظة تجمع الصحراء والجبال والسهل والبحر في لوحة طبيعية نادرة، لكن أهم ما تملكه أبين ليس الأرض وحدها، بل ثروتها البشرية المتميزة؛ كوادر وعقول يشار لها بالبنان، صنعت تاريخاً من العطاء والتميز في مختلف المجالات. إنها أرض الإمكانات الكبيرة، التي تستحق مستقبلاً يليق بتاريخها وأهلها.
غير أن هذه المحافظة العريقة تعرضت في السنوات الماضية إلى تجريف قاس؛ انتشر فيها الفقر، ونهبت ثرواتها، وجُند شبابها وقوداً للحروب وأجندات لفكر تدميري أكل الأخضر واليابس. وزاد الطين بلة أن إيراداتها التي تجاوزت المليارات شهرياً لم تُستثمر لخدمة أبنائها، بل صارت مجالاً للعبث والنهب، وتهبشتها القوى المتنفذة، وكل أخذ ما لذ وطاب من جثة أبين بعد ذبحها. وبين هذا الركام من الألم والخذلان، كاد الأمل أن يخبو، حتى خُيّل للكثيرين أن السواد قد أصبح حالكاً لا فجر بعده.
لكن في اللحظة التي يشتد فيها الظلام، يلوح أحياناً بصيص نور. وقد تمثل هذا الضوء في تعيين الدكتور مختار الرباش، المشهود له بالكفاءة والنزاهة، فاستبشر الناس خيراً، وكانت تلك الخطوة أشبه بهدية جميلة لأبين وأهلها في خواتيم الشهر المبارك. ونقول له: أعانك الله وسدد خطاك؛ فالمهمة الأولى، وربما الأصعب، هي السيطرة على إيرادات المحافظة وإيقاف كل أنواع التهباش. فهنا يكمن المحك الأول، وهنا تبدأ المعركة الحقيقية؛ لأن الموارد هي أساس البناء والتنمية، ولا تخطيط ولا تنفيذ بدونها. ولنا في سيرة سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه درس عظيم عندما تولى الخلافة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ورفضت بعض القبائل أداء الزكاة، فقال قولته المشهورة: “والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه.” كانت تلك معركته الأولى والحاسمة، لأنها تتعلق بحق الأمة ومواردها.
واليوم، فإن إيقاف التهباش في أبين ليس مجرد إجراء إداري، بل هو معركة إصلاح حقيقية، وامتحان لإرادة التغيير، وبوابة لعودة الثقة بين الدولة والمجتمع. فإذا نجحت هذه الخطوة، سيفتح بعدها الطريق أمام التخطيط والبناء والتنمية، وستتحول الموارد إلى مدارس وطرق ومستشفيات وخدمات يستفيد منها الناس. ندرك أن الطريق شاق وليس هيناً، لكن ثقتنا كبيرة، وتاريخ الدكتور مختار الرباش المشرف وتربيته الملتزمة بكتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ستكون عوناً له. ونحن معك وإلى جانبك ما دمت على الخير، آملين أن تكون هذه البداية الحقيقية لانتشال أبين من أوجاعها ووضعها على الطريق الصحيح… ولنا مقال آخر يتحدث عن خارطة الطريق لإنقاذ أبين وبناء مستقبلها الذي تستحقه.