من المحراب إلى هام السحاب
(أبين الآن) كتب | معين ال ترك
تبدأُ الحكايةُ مع أبي عمر د. مختار الرباش الهيثمي
من محراب المسجد (عدن مول) حيثُ جمعتنا السكينةُ قبل أن تجمعنا الأيام، وتكبرُ الذكرى حين نستعيدُ تلك اللحظات التي وقفنا فيها جنبًا إلى جنب نرفع الدعاء وننشر الآية والحديث ونستودع الله خطواتنا.
——
وتنتقلُ الصورةُ إلى ميادينٍ أخرى حين صرنا في الجبهة معًا نتقاسمُ الشدائد كما يتقاسمُ الإخوةُ الخبزَ في ساعة الضيق، وتبقى تلك الأيام شاهدًا على أن ما جمعته المواقف الصادقة لا تصنعه المصادفات بل تصوغه القلوب حين تصدق النيات.
——
ثم يمتدُّ الطريقُ بعدها إلى الوزارة حيث التقينا مرةً أخرى في ميدان العمل وخدمة الحجاج والمعتمرين وتسهيل متابعات المواطنين ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.
——
وعند مشاهدة كل تلك الأيام من بعيد فأرى أن الذكريات تتعانقُ بين مسجدٍ شهد البدايات وجبهةٍ امتلأت بالصبر والبقاء ووزارةٍ حضرت بالسعي والعطاء، ثم يأتي قرار التعيين اليوم فيفصل بين الأماكن لا بين القلوب، وتفرضُ أبينُ مسافةً جديدة في ظاهرها لكنها لا تستطيع أن تُبعد ما رسخ في القلب من أخوةٍ ووفاء.
——
وتبقى القناعةُ راسخةً بأن الطرق وإن افترقت قليلًا فإن المدن التي جمعتنا أول مرة تعرف طريق اللقاء من جديد، وتظلُّ عدنُ وعدًا جميلًا بلقاءٍ قادم.
——
واليوم أستحضرُ لحظةَ الوداع وقلبـي ممتلئٌ بمزيجٍ من الامتنان والحنين، وأستعيدُ معها صفحاتٍ طويلةً من الصداقة الصادقة التي لم تكن يومًا مجرد معرفة عابرة بل كانت رفقة روحٍ لروح، وأتذكرُ مواقفك النبيلة التي كانت تسبق الكلام وتختصر كثيرًا من المعاني، وأشهدُ أن صداقتك كانت من أجمل الهدايا التي منحتني الحياة إياها، وأن حضورك في أيامي لم يكن عابرًا بل أثرًا طيبًا يبقى في الذاكرة كما تبقى عطوري في الأماكن التي مرّرت بها.
——
ماذا أحدثكم عن أبي عمر فهو رجلٌ إذا حضر اطمأن الناس، وإذا غاب ترك فراغًا لا يملؤه أحد، صديقٌ كانت الأيام معه أخفّ، وكانت المواقف بوجوده أقوى.
هو رفيقُ محرابٍ حين تهدأ الأرواح، وسندٌ حين تشتد المواقف، رجلٌ من طينة الوفاء، لا يتبدل إذا تغيّرت المواقع ولا يتغيّر إذا تبدّلت الأحوال.
هو من أولئك الذين تمرّ بهم في الحياة مرة، فيتركون في القلب أثرًا لا يمحوه الزمن أبدا.
——
يمضي اليوم صديقي في تحدٍّ جديد، ولكن لا تمضي معه الذكريات ولا المواقف التي حفرت اسمَه في القلوب والعقول والمواقف، ويغادر المكان رجلٌ كان إذا قال وفى، وإذا وعد صدق، وإذا حضر طمأن النفوس.
——
يمضي صديقٌي من المكان وتبقى صورته في القلب أوضح مما كانت وهو بيننا، وتمرُّ الذكريات كأنها شريطٌ من المواقف النبيلة التي لا تُنسى، ويغادر اليوم جسدًا عن المكان ويبقى أثره شاهدًا أن الرجال يُعرَفون بثباتهم لا بمواقعهم، وبصدقهم لا بأسمائهم، وفي الدعاء اسمه حاضرًا، وفي الذاكرة مواقفه حيّة لا يطويها الزمن.
——
لا أخفيكم تزعجني جدا لحظات الوداع، مع أنها ليست نهاية الحكايات بل استراحة بين فصلين، وأعلمُ أن القلوب التي اجتمعت على الصدق لا تفرّقها الطرق ولا تباعدها المدن، وأبقى ممتنًا لكل ما تركته في حياتي من أثرٍ جميلٍ لا يُنسى من المودة والوفاء لن تقطعهما الأيام.
——
وأشكرُ أبا عمر من أعماق قلبي على كل كلمةٍ صادقةٍ قالها، وعلى كل موقفٍ كريمٍ وقفه، وأعتزُّ به صديقًا وأخًا قبل أي شيء، وأفخرُ أن الأيام جمعتني به وأن الذكريات بيننا أصبحت جزءًا من حكاية العمر.
——
أعود وأقول في المسجد كنا معا
وفي جبهة الحرب كنا أيضاً معا
وفي الوزارة أصبحنا معا
ثم جاء القرار ففرقتنا أبين
وحتماً حتما ستعيد لقائنا عدن
فمن المحراب إلى السحاب
سنكون معا


