تشابه الحكايات في التراث الشعبي والأدبي عند الشعوب. 

عرفت البلاد الإسلامية، على امتداد جغرافيتها الواسعة، منذ عصور بعيدة، ظاهرة الاحتفالات بالموالد المرتبطة بالأولياء والصالحين. وقد اندرجت هذه الاحتفالات ضمن ما يمكن تسميته بـ(الدين الشعبي)، وهو ذلك النمط من التدين الذي يتشكل في وجدان العامة، وتمتزج فيه المعتقدات الدينية بالممارسات الاجتماعية والطقوس التراثية. ولذلك لم يخل زمان ولا مكان في كثير من المجتمعات الإسلامية من مثل هذه المناسبات التي تجمع بين الاعتقاد الديني والتعبير الشعبي عنه في صور مختلفة من الاحتفاء والطقوس.

وكان لمنطقة آل فضل في أبين نصيب من هذه الظاهرة في مرحلة من تاريخها الاجتماعي؛ إذ عرفت فيها بعض الموالد والزيارات التي يقصدها الناس إحياء لذكرى أشخاص ينسب إليهم الصلاح. ومن أبرز تلك المناسبات زيارة مولد (سعيدة بنت عمر) التي تقام في شهر رجب من كل عام في منطقة مرعة عند أدنى جبال المراقشة. وفي هذا الموعد تتجلى أنماط التدين الشعبي بما تحمله من معتقدات وممارسات، كما تتخلل المناسبة مظاهر الفرح والابتهاج، وتبرز فيها ألوان من التراث الشعبي، من أهازيج وأشعار ومساجلات شعرية يتبارى فيها الشعراء الشعبيون.
ولم تكن هذه المناسبة مقصورة على عامة الناس وحدهم، بل كانت تحظى أحيانا بحضور شخصيات رسمية وسياسية، من أبرزها زيارة رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية علي ناصر محمد ووزير الدفاع صالح مصلح برفقة عدد من المسؤولين المدنيين والعسكريين في عام 1984م. وكانت الزيارة في تلك المناسبات تتحول إلى محفل ثقافي واجتماعي يجتمع فيه الشعراء الشعبيون، وتدور بينهم مساجلات شعرية ذات طابع أدبي مميز، تناقل الناس أخبارها، وحفظت بعض نصوصها صفحات الكتب.

وفي خضم هذه الأجواء الاجتماعية والثقافية التي أحاطت بتلك الزيارة، ظل حضورها في الذاكرة العامة قويا، غير أن علاقتي الشخصية بها كانت مختلفة بعض الشيء. فلم أزر ذلك المكان قط، كما أن أحدا من أفراد أسرتي لم يزره. فقد كان للوالد – أطال الله في عمره – موقف معارض من مثل هذه الزيارات، وغيرها من الزيارات المشابهة التي ارتبطت بأسماء مثل سعيدة بنت عمر أو عمر بن سعيد.
ومع ذلك، فإن موقفه لم يكن موقف رفض مطلق لفكرة الاعتقاد بالأولياء؛ فالوالد نال نصيبا من التعليم المدني في أيام السلطنة الفضلية، حين درس في المدرسة المتوسطة، كما أخذ حظا من التعليم الديني على نهج مدرسة حضرموت الإسلامية. ولذلك، وعلى الرغم من تحفظه على بعض تلك الزيارات، كان يؤمن بأولياء الله الصالحين من أهل العلم والتقوى، مثل زيارة العيدروس وغيره من العلماء والصالحين، وكان يزورهم.
غير أن تلك الزيارات، في نظره، لم تكن على طريقة العامة التي تختلط فيها الممارسات الشعبية بالمبالغات، وإنما كانت زيارات للعظة والدعاء والتذكير. وكان يرى أن أولئك الرجال كانوا أهل علم ومعرفة وتقوى، بخلاف بعض الشخصيات الشعبية التي تنسب إليها الكرامات دون أن يكون لها حظ من علم أو أثر واضح في الدين.

أتذكر وأنا صغير أن بعض أقراني الذين كانوا يزورون تلك الأماكن مع آبائهم كانوا يخوفونني بقدرات سعيدة بنت عمر المزعومة، ويحدثونني عن كراماتها الخارقة. ومن أشهر القصص التي كانوا يرددونها أنها خرجت يوما لتحتطب، فلما جمعت الحطب اكتشفت أنها لم تحضر الحبال معها، فربطت حزمة الحطب بأفعيين وعادت إلى أهلها، الذين رأوا في ذلك كرامة عظيمة.
مرت السنوات، وبقيت تلك الحكاية في ذاكرتي دون اهتمام كبير، إلى أن حدث ما أعادها إلى ذهني بصورة مختلفة.

في عام 1987م، وكنت حينها طالبا في الصف السابع، افتتحت في مدينة زنجبار مكتبة في الشارع الرئيس، في الطابق الأرضي لأحد العمارات التي بنتها الدولة. اشتريت منها مجموعة من الكتب، كان من بينها كتاب بعنوان (الأحباش بين مأرب وأكسوم)، يتناول تاريخ الحبشة (إثيوبيا) منذ فجر التاريخ حتى قيام الثورة فيها.
شدني عنوان الكتاب منذ البداية، خصوصا أن تلك الفترة كانت تشهد عرض مسلسل تاريخي عن سيف بن ذي يزن واحتلال الأحباش لليمن. وقد تناول الكتاب تاريخ الحبشة من زوايا متعددة: تاريخية وجغرافية وسياسية ودينية واقتصادية.
ومن بين ما لفت انتباهي في الكتاب حديثه عن مدينة (هرر) الإثيوبية ذات الحضور الإسلامي، وما ارتبط بها من طرق صوفية وحكايات عن الزهاد والعباد. وهناك وردت قصة عن رجل عاش في العصور الماضية مع إخوته، وكان زاهدا منقطعا للعبادة، لكنه لا يعمل، حتى ضجر منه إخوته وأجبروه على الخروج للعمل.
خرج الرجل ليحتطب، ولما جمع الحطب اكتشف أنه لم يجد حبالا يربط بها حزمته، فاستعان بأفعيين وربط بهما الحطب وعاد إلى أهله، الذين رأوا في ذلك علامة على كراماته، فذاع صيته وصار في نظرهم وليا من الأولياء.
عند تلك اللحظة أدركت أن القصة التي كنت أسمعها في طفولتي عن (سعيدة) تكاد تكون نسخة مطابقة لهذه القصة القديمة. قد لا يعرف عامة الناس الذين يزورون مقامها شيئا عن أصل الحكاية، لكن من الواضح أن من صاغ الرواية الشعبية قد استعارها، أو وصلت إليه عبر طريق من طرق انتقال الحكايات.

هذا الاكتشاف البسيط فتح أمامي بابا واسعا للتأمل في ظاهرة تشابه الحكايات في التراث الإنساني. فالكثير من القصص والأساطير تنتقل بين الشعوب، وتعاد صياغتها بأسماء وأماكن مختلفة، حتى تبدو وكأنها جزء أصيل من التراث المحلي.
ومنذ ذلك الوقت بدأت أتابع باهتمام ظاهرة الحكايات المتشابهة في التراث العالمي، سواء في الأساطير أو الملاحم أو النقوش القديمة، بل إن بعض تلك الروايات تتقاطع أحيانا مع قصص وردت في القرآن الكريم.

كما توصلت إلى أن موضوع ( سعيدة ) وما يشابهها لا علاقة لها بالجانب الديني الصرف، وإنما هي رموز دينية شعبية قبلية، إذ كل قبيلة أرادت أن يكون لها رمزا دينيا، فقامت بصنع هؤلاء الرموز.