"سبأ وتشكيل النظام الدولي - كيف وُلدت الدبلوماسية العالمية في مأرب" ؟ !
حين يُقال إن جهدًا دبلوماسيًا ما نجح في تجنيب العالم حربًا كبرى فإن ذلك يفترض وجود دولة راسخة البنيان تمتلك مؤسسات وقيمًا سياسية رفيعة وتتمتع بقدرة على إدارة الأزمات إضافة إلى أدوات نفوذ وقوة معنوية تمكّنها من تفكيك الصراعات وإدارة التوازنات بين القوى المتقابلة .
وهذا النموذج من الدبلوماسية الرفيعة لم يكن حكرًا على الدول الحديثة بل عرفه التاريخ منذ آلاف السنين ومن أبرز أمثلته ما قدمته مملكة سبأ اليمنية بقيادة الملكة بلقيس في القرن العاشر قبل الميلاد في واقعة سياسية فريدة يمكن قراءتها اليوم بوصفها نموذجًا مبكرًا للدبلوماسية الاستراتيجية التي نجحت في تفادي مواجهة كبرى مع دولة النبي الملك سليمان .
كانت مأرب آنذاك مركزًا لدولة تُعد من أقوى ممالك عصرها حتى وُصفت بأنها الأولى عالميًا من حيث التنظيم السياسي والازدهار الحضاري .
وقد أشار القرآن إلى هذه المملكة باسمها الصريح "سبأ" وهو توصيف لافت يحمل دلالة سياسية عميقة إذ جاء الاسم علمًا مستقلًا على دولة قائمة بذاتها، دون نسبتها إلى فرد أو قبيلة في إشارة مبكرة إلى مفهوم الكيان السياسي المتكامل .
هذا التوصيف يعكس جملة من الأبعاد الحضارية التي تميزت بها تلك الدولة وأهمها أبعاد : "التحرّروالتنوٌر والتحضر والمأسسة" إضافة إلى البعدين "الجيوسياسي والديموغرافي" .
وهذه سمات تشير إلى مجتمع منظم يمتلك بنية دولة حقيقية لا مجرد تجمع قبلي أو جماعة بشرية عابرة .
وعلى العكس من ذلك، يرد في النص القرآني توصيف أمم أخرى بصيغة "قوم فلان" كـ قوم فرعون أو قوم لوط أو قوم هود وهي توصيفات تُحيل غالبًا إلى تجمعات بشرية مرتبطة بزعيم أو نبي أكثر من كونها دولًا مؤسسية متكاملة .
لكن ما يجعل تجربة سبأ أكثر إثارة هو الأسلوب الدبلوماسي المتقدم الذي أدارت به الملكة بلقيس الأزمة مع سليمان والذي يكشف عن مستوى مدهش من النضج السياسي والتنظيم البروتوكولي .
فقد بدأت الأزمة بمرحلة تقدير الموقف حيث أدركت الملكة خطورة أي مواجهة عسكرية وعبّرت عن ذلك بقولها الخالد :
"إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة" .
ثم انتقلت إلى الدبلوماسية التمهيدية عبر الرسائل المتبادلة التي نقلها المبعوثون بين الطرفين وهي أقدم صورة معروفة للاتصال الدبلوماسي الرسمي بين دولتين .
ولتعزيز فرص التفاهم أرسلت الملكة هدايا سياسية في خطوة دبلوماسية مدروسة لاختبار نوايا الطرف الآخر وتخفيف التوتر .
ثم تلت ذلك زيارة رسمية رتّبت بعناية عبر وفود ومراسلات سبقت اللقاء المباشر .
أما قبل اتخاذ القرار النهائي فقد مارست بلقيس الشورى السياسية مع قادة قومها في نموذج مبكر لصنع القرار الجماعي داخل الدولة .
أما الوفد المرافق فقد ضم كبار الشخصيات وقادة الجيش ووجهاء المجتمع بما يعكس طبيعة الزيارة بوصفها حدثًا سياسيًا استراتيجيًا لا مجرد لقاء شخصي بين ملكين .
وعند الوصول جرى تنظيم الاستقبال الرسمي والشعبي بعناية ؛ فقد استقبلها سليمان بصفته "مَلكًا" في مشهد بروتوكولي يعكس احترامًا متبادلًا بين دولتين ، تلاه استقبال جماهيري يعكس البعد الشعبي للعلاقات بين المملكتين .
كما أقيمت مناسبات احتفالية متعددة على شرف الملكة الزائرة وهو تقليد دبلوماسي ما يزال معمولًا به في العلاقات الدولية الحديثة .
أما المفاوضات فقد جرت في أجواء مغلقة وبمشاركة مباشرة من قائدي الدولتين في نموذج واضح لما يسمى اليوم بـ"القمة الثنائية" حيث تم خلالها الاتفاق على إطار للتفاهم والتعايش السلمي بين الطرفين .
وكانت اللحظة الأبرز في تلك القمة ما يمكن وصفه بـ البيان الختامي الذي أعلنته الملكة بلقيس بعبارة قصيرة لكنها بالغة الدلالة وذلك في :
(رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين)
هذه العبارة لم تكن مجرد إعلان ديني بل حملت دقة سياسية لافتة وذلك باختيارها كلمة : "مع سليمان" بدلًا من "لسليمان" أو "تابعة لسليمان" في إشارة واضحة إلى الندية السياسية والتكافؤ بين الطرفين مؤكدة أن الانتماء النهائي هو لله رب العالمين لا لسلطة بشرية .
وبهذا الموقف الذكي أنهت بلقيس الأزمة دون حرب وحافظت على سيادة دولتها وفتحت الباب أمام علاقة تقوم على التعاون والتكامل بدل الصراع .
ومن اللافت أن العالم لم يضع القواعد المنظمة للعلاقات الدبلوماسية إلا بعد آلاف السنين عندما أُقرت اتفاقية فِيينا للعلاقات الدبلوماسية في العام 1961م من القرن الماضي عقب حربين عالميتين مدمرتين في محاولة لتنظيم البروتوكولات والأعراف التي تحكم تعامل الدول .
ومع ذلك فإن كثيرًا من الممارسات التي أرستها تلك الاتفاقيات يمكن العثور على نماذج مبكرة لها في التجربة السبئية التي قادتها الملكة بلقيس قبل ثلاثة آلاف عام .
إن قراءة هذه الواقعة التاريخية تكشف أن اليمن لم يكن مجرد موطن لحضارة قديمة بل كان مسرحًا لإحدى أقدم التجارب السياسية والدبلوماسية في تاريخ الإنسانية .
ولهذا يمكن القول إن "سبأ" لم تكن فقط قوة إقليمية مزدهرة ! بل كانت أيضًا مدرسة مبكرة في فن "إدارة الأزمات" حيث نجحت الدبلوماسية اليمنية بقيادة الملكة "بلقيس" في تحويل مواجهة محتملة إلى لحظة تفاهم تاريخية جنّبت المنطقة حربًا مدمرة وفتحت أفقًا جديدًا للعلاقات بين القوى الكبرى في ذلك العصر .
فهل آن للإخوة العرب أن ينظروا إلى المشرق من صفحاتهم وأن يستغلوا الممكن من كنوزهم ؟
ليبقى السؤال :
أكو عرب ؟ !


