وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ ،،" تأملات في صدقة الختام "
حين يوشك رمضان على الرحيل، وتبدأ أنفاس الشهر الكريم تخفت كنجمةٍ توشك أن تغيب... يشرع الله للمؤمنين عبادةً صغيرة في صورتها، عظيمة في معناها،..
ألا وهي زكاة الفطر..
تلك الصدقة التي تأتي في ختام الصيام كأنها مسك الختام، أو كأنها اللمسة الأخيرة التي تُكمِل لوحة الطاعة بعد شهرٍ من الصيام والقيام.
زكاة الفطر ليست مجرد مقدارٍ من الطعام يُعطى للفقير، بل هي رسالة رحمةٍ تُرسلها القلوب المؤمنة إلى المجتمع كله ، رسالة تقول إن الصائم حين تزكَّت روحه بالصيام، لا ينسى أن يزكِّي ماله بالعطاء.
لقد فرضها الله لتكون طهرة للصائم مما قد يعتري صيامه من نقصٍ أو غفلة، كما قال النبي ﷺ:
«فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طُهرةً للصائم من اللغو والرفث، وطُعمةً للمساكين».
فالصيام يربّي القلب، وزكاة الفطر تُصلح العلاقة مع الناس؛ الصيام يرفع الروح نحو السماء، وزكاة الفطر تمتد بالرحمة نحو الأرض.
وفي هذا التشريع تتجلى روعة الإسلام؛ إذ لا يريد للمجتمع أن يدخل العيد وقلوب الناس متفاوتة بين فرحٍ وحزن، وغنىً وحاجة، بل أراد أن يكون العيد فرحةً عامة، يشارك فيها الفقير والغني، والقادر والمحتاج.
ولهذا قيل: إن زكاة الفطر ليست مجرد صدقة، بل هي إعلان أخلاقي بأن المجتمع المسلم جسدٌ واحد، إذا فرح فيه عضوٌ شاركته الأعضاء الأخرى فرحته.
وقد جعلها الإسلام مقدارًا يسيرًا (صاعًا من طعام ) حتى لا يعجز عنها أحد.
فهي عبادة تُذكِّر الغني بالفقير، وتُشعر الفقير بأنه جزءٌ كريم من هذا المجتمع.
كما أن توقيتها قبل صلاة العيد يحمل دلالةً بليغة؛ فكأن الإسلام يقول للمؤمن:
لا تذهب إلى فرحة العيد قبل أن تطرق باب الفقير، ولا تكتمل بهجة العيد في قلبك حتى تزرع البسمة في قلب غيرك.
وهكذا تتحول زكاة الفطر من مقدارٍ من الطعام إلى معنى من الرحمة، ومن عبادةٍ فردية إلى قيمةٍ اجتماعية تبني جسور المودة بين الناس.
وقد حُدٌِدَ مقدار الزكاة بصاع من قوت البلد (مثل الأرز أو القمح أو الذرة). وهو ويعادل تقريبًا 3 كيلوجرامات من الطعام عن كل شخص.
أي يخرج المسلم عن نفسه وعن كل من يعول ثلاثة كيلو تقريبًا من الطعام.
واختلف فقهاء المذاهب في جواز إخراجها نقدا
على النحو الآتي :
الحنفية: يجوز إخراجها نقدًا.
المالكية: الأصل الطعام، ويجوز النقد للحاجة.
الشافعية: لا يجوز إخراجها نقدًا.
الحنابلة: لا يجوز إخراجها نقدًا في الأصل.
تنبيه مهم :
بسبب تغير أحوال الناس اليوم، أجاز بعض العلماء المعاصرين إخراجها نقدًا إذا كان ذلك أنفع للفقير وأيسر للناس، بينما فضّل آخرون الالتزام بإخراجها طعامًا اتباعًا للنص.
ولذلك يبقى الأمر في دائرة الخلاف الفقهي المعتبر بين العلماء.
فإذا أراد المسلم إخراج زكاته نقداً ...
فلينظر كم قيمة الكيلو في السوق
ويضرب تلك القيمة في ثلاثة .
ثم يحتسب الأفراد الذين يعيلهم
فزكاة كل فرد ( ثلاثة كيلو ) .
إنٌ زكاة الفطر في ظاهرها حفنةُ طعام...
لكنها في حقيقتها قيمةٌ من الرحمة، ورسالةٌ من الإيمان.
إنها ليست مجرد عطاءٍ يُعطى، بل هي طهارةٌ للروح، وجسرُ مودةٍ بين القلوب ،
يخرجها الغني شكرًا، ويتلقاها الفقير كرامةً، فيلتقي الطرفان عند معنى الأخوة الذي أراده الإسلام لهذا المجتمع.


