لماذا يخاف العرب من السياسة؟! - وهل العرب مواطنون في بلدانهم ؟ أم رعايا ؟!
ليس تطرفا القول بأن السياسة أصبحت هي السمة الفاصلة بين الإنسان والحيوان حيث أن أرسطو سبق ووصف الإنسان بأنه "حيوان سياسي" . فالإنسان لم يصبح إنساناً كاملاً إلا عندما خرج من حياة القطيع إلى حياة المجتمع حسب أرسطو .
وبما أنه ومنذ وقت مبكر كانت ولا زالت الحاجة مآسة إلى تنظيم العلاقات وإدارة الخلافات وهذا هو جوهر ولب " السياسة .
ففي التجربة اليونانية القديمة ارتبطت السياسة بفكرة المدينة حيث كان المواطنون يجتمعون في الساحات العامة للنقاش والجدل حول الشأن العام ، ومن هنا إكتسب الخلاف في الرأي وتعدد وجهات النظر إكتسب مشروعية وأصبح النقاش حول المصلحة العامة جزءاً من حياة المجتمع وسماته .
وبخصوص العالم العربي فإن المفارقة الكبرى تكمن في أن السياسة لم تزل جامدة بدليل أنها ما تزال أسيرة معناها اللغوي القديم الذي يدور حول :
"السائس والمسوس" أو الراعي والرعية" وهي مفاهيم توحي بوجود طرفين أحدهما إنسان يَرعى ويَسوس والآخر (...) يُرعى أو يُساس !
وعلى ضوء هذا يتضح بأن المواطن العربي لن يكون ولا يمكن أن يكون شريكا بل مجرد "مَرْعيٍّ تابعٍ طائعٍ أو مَسُوسٍ متلقٍ خاضعٍ" فالحاكم يفعل
والمواطن ينفعل !
والمشكلة أن هذا الفهم "الرعوي" قد ترسخ عبر قرون طويلة من الممارسة السياسية حتى أصبح جزءاً من الوعي الجمعي يؤيد ذلك النظر إلى الأمثال الشعبية المنتشرة في المجتمعات العربية مثل : " من تزوج أُمَّنا كان عمنا" و "العين لا تقاوم المخرز" و"السياسة لها أهلها" وكـ "من تغلب بايعناه" أما الاكثر سوءا والأقبح فحشا والأبعد شذوذا فهو القول " بـ "الاصطفاء الإلاهي" للحاكم .
ومن هنا ندرك كيف جرى تكريس فكرة أن السياسة شأن خاص بالحاكم وليست حقاً عاماً للمجتمع ؟
مع أن السياسة في حقيقتها تنشأ من الاختلاف الاجتماعي فوجود طبقات وفئات ومصالح متباينة داخل المجتمعات يجعل العمل السياسي ضرورة لا يمكن إلغاؤها .
لذلك فإن الأنظمة التي تحاول حصر السياسة أو تقليصها فإنها لا تقلصها ولا تحصرها بل تدفع إلى العمل السياسي في الخفاء وتُحوّل الخلافات الطبيعية إلى صراعات خطيرة ؛يؤيد ذلك ما ذكره السياسي "هارولد لاسكي" بقوله : " إن الحقوق السياسية ليست امتيازاً تمنحه الدولة بل حقوق طبيعية مرتبطة بكرامة الإنسان" .
وعندما تُغيب المجتمعات في هذا الجانب المجتمعات فإن الدولة تضعف
شرعيتها وربما يبدأ تآكل خفي من داخلها .
وليس خفيا بأن المواطن عندما يُقصى من السياسة يبحث عن بدائل أصغر للممارسة ولو عبر العائلة أو القبيلة أو الطائفة أو الكيان أو المذهب أو الفكر .
وهنا يبدأ المجتمع بالتفكك وتتحول الدولة إلى مجرد سلطة فوق المجتمع لكنها لا تعبر عنه وهذا يعتبر أخطر الاشكالات في الفكر السياسي العربي وهو الخلط بين "الدولةوالسلطة" .
فالدولة في المفهوم الحديث تتكون من طرفين هما :
(المواطنون-الحكومة)
والمعروف أنه وفي الذهنية السياسية العربية غالباً ما تُختزل الدولة في السلطة فقط بينما يبقى المجتمع خارجها .
وهذا الخلل في الفهم يؤدي إلى نتيجة خطيرة مفادها أنه كلما زادت قوة السلطة الإدارية ظن البعض أن الدولة قوية بينما العكس هو الصحيح !
فالدول التي تعتمد على قوة القبضة وحدها قد تبدو مستقرة ظاهرياً لكنها في الحقيقة ربما تعيش حالة هشاشة وضعف بنيوي قد يجر إلى عواقب وخيمة تنتهي بإشكاليات كما حدث في تجارب عديدة من العالم .
ويرى المفكر الكبير "برهان غليون" أن السياسة في العالم العربي تعيش حالة "استنقاع" أي ركود عميق سببه إقصاء الجماهير عن المشاركة .
وهذا الركود لا ينعكس فقط على السياسة بل يمتد إلى الاقتصاد والثقافة والحياة الاجتماعية .
لهذا يصبح السؤال المركزي كيف يمكن الخروج من هذه الأزمة ؟
الجواب يبدأ من فكرة بسيطة لكنها جوهرية وهي إتاحة الفرصة للمشاركة "الحكيمة" أي بالقدر المناسب وفي الوقت المناسب وعلى الوجه المناسب .
مع أن المقصود بالمشاركة هنا ليس مجرد تقاسم مصالح أو انتخابات دورية ! بل فلسفة تقوم على الاعتراف بالاختلاف وتقنين مشروعيته وعلى فتح المجال العام أمام المواطنين للمشاركة في إدارة الشأن العام .
إن المجتمع التشاركي هو المجتمع الذي يسمح بتعدد الآراء ضمن أوعية وأطر مشروعة ومكفولة وبحيث لا تؤدي تلك المشاركة إلى الصراع والاختلاف والتفكك بل يصبح مصدر حيوية وتجدد وتفاعل وإبداع .
لذلك يمكن القول إن الأزمة الكبرى في العالم العربي ليست أزمة اقتصادٍ أو أمنٍ بقدر ماهي أزمة سياسةٍ!
فحين يُغلق المجال التشاركي أمام الناس يتحول المجتمع كله إلى حالة من الركود والأَسَن وتبقى الدولة بلا طاقات متجددة تدعمها وتضخ الدماء في عروقها .
ولهذا فإن أي نهضة عربية حقيقية لا يمكن أن تبدأ من الاقتصاد أو التكنولوجيا فحسب بل من فتح بوابة المشاركة أمام المجتمع وتحويل الرعايا إلى مواطنين فاعلين .
ختاماً : يمكن القول بأن الاشكال في العالم العربي ليس في غياب السيااااااااسة بل في الخوووووف منها . !
بقي السؤال :
أكو عرب ؟ !


