أحمد رمزي.. حين حمل طفل الحوطة بندقية الوطن
في الحروب، لا تُقاس البطولة بالعمر، ولا تُوزن الشجاعة بعدد السنوات التي عاشها الإنسان، بل بصدق الموقف عندما ينادي الواجب. وفي حرب عام 2015، حين اشتعلت الأرض في الجنوب ووقف أبناء المدن والقرى للدفاع عن دينهم وأرضهم وكرامتهم، خرج رجال كثيرون إلى المتارس… وكان بينهم فتى صغير لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره.
كان اسمه أحمد رمزي…
ابن مدينة الحوطة بمحافظة لحج، ذلك الفتى الذي قرر أن يقف مع أبناء مدينته في لحظة كانت فيها الحوطة كلها تتحول إلى جبهة دفاع عن الكرامة.
في حي حارة قيصا، بالقرب من نادي الطليعة ومقر رابطة أبناء اليمن، كان هناك أحد متارس القتال التي أقامها أبناء الحوطة بوسائل بسيطة، لكن بإرادة صلبة.
لم يكن المترس مليئاً بالمقاتلين المحترفين، بل كان يضم شباباً عاديين… طلاباً، عمالاً، وأبناء حارات لم يتلقّوا يوماً تدريباً عسكرياً.
ففي تلك الأيام، لم يكن كثير من أبناء الحوطة يعرفون استخدام السلاح أصلاً، ولم يدخلوا معسكرات تدريب، لكنهم حملوا البنادق لأن الوطن كان ينادي.
وسط هؤلاء الرجال وقف الفتى أحمد رمزي.
كان صغير السن، لكن قلبه كان أكبر من عمره بكثير.
أمسك ببندقية ليقاتل إلى جانب إخوته من أبناء الحوطة، وشارك في الاشتباك مع المليشيات الحوثية التي حاولت التقدم نحو الأحياء.
كان الرصاص يتطاير حولهم، والغبار يملأ المكان، لكن أحمد لم يتراجع.
رغم قلة خبرته، ورغم أنه لم يعرف من السلاح إلا ما تعلمه في تلك اللحظات، إلا أنه كان يقاتل بشجاعة لافتة، وكأن روح المدينة كلها تسكن في صدره.
كان يقف في المتراس ويطلق النار بثبات، متحدياً الخوف، وكأنما يقول للعالم إن الأرض التي تربّى عليها لا تُسلّم بسهولة.
لكن في الجهة الأخرى…
كان هناك قناص حوثي يراقب المشهد من بعيد.
عين باردة خلف منظار بندقية، تبحث عن هدف.
وفجأة…
دوّى صوت الرصاصة.
انطلقت من بعيد واخترقت صدر الفتى.
سقط أحمد رمزي مصاباً.
هرع الشباب نحوه بسرعة، وكان بينهم عادل حزام وعدد من أبناء الحوطة، الذين لم يترددوا لحظة في محاولة إنقاذه.
حملوه بسرعة، والقلق يملأ وجوههم، وقرروا نقله إلى قرية الحمراء لتلقي العلاج.
لكن الطريق إلى هناك لم يكن سهلاً.
فقد كان هناك أيضاً قناص آخر يترصد كل من يمر في ذلك الطريق المؤدي إلى القرية.
كانت الرصاصات تمر فوق رؤوسهم وتضرب الأرض من حولهم، في محاولة لمنعهم من الوصول.
أطلق القناص عدة طلقات باتجاههم…
لكنهم لم يتراجعوا.
بإصرار الرجال الذين لا يتركون جريحاً خلفهم، تمكنوا من تجاوز الطريق والوصول إلى قرية الحمراء.
وهناك… كان في استقبالهم الدكتور رافت حزام، الرجل الذي فتح قلبه وبيته لعلاج جرحى المقاومة الجنوبية في تلك الحرب، وكان يعالجهم دون مقابل، بدافع إنساني ووطني نبيل.
أسرع بالكشف على الفتى المصاب.
كان أحمد ينزف بغزارة…
والدم يبلل ثيابه الصغيرة.
بعد أن فحصه الطبيب، قال بصوت يحمل الكثير من الأسى:
"الطلقة أصابت الرئة."
كان النزيف شديداً…
والإصابة خطيرة.
وفي تلك اللحظات الثقيلة، كان الفتى الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة يقاوم بصمت.
لم يكن مجرد طفل…
بل كان رمزاً لجيل كامل قرر أن يقف في وجه الخطر رغم صغر سنه.
رحل أحمد رمزي شهيداً…
لكن قصته لم ترحل.
بقيت في ذاكرة الحوطة، وفي قلوب أهل لحج، كحكاية فتى حمل بندقية الوطن قبل أن تكتمل سنوات عمره.
سيظل اسمه شاهداً على أن البطولة لا تحتاج إلى عمر طويل…
بل إلى قلب صادق.
سلامٌ على روح أحمد رمزي،
وسلامٌ على كل فتى وقف في وجه الظلم دفاعاً عن أرضه وكرامته.
رحم الله الشهيد الصغير…
الذي كان بعمر الزهور،
لكنه ارتقى برجولة الرجال.


