حين تتقاطع ظلال الحاضر مع أصداء التاريخ ، صراع الفرس والروم... هل يعيد التاريخ نفسه؟
614م: انتصر الفرس على الروم.
627م: انتصر الروم على الفرس.
636م: انتصر المسلمون على الفرس والروم في معركتي اليرموك والقادسية
ليست هذه المواجهة المشتعلة اليوم بين العدوين التقليديين (الفرس - الروم) في فضاء السياسة حدثًا طارئًا يُقرأ في نشرات الأخبار فحسب...
بل هي فصلٌ جديد من روايةٍ قديمةٍ كُتبت حروفها الأولى يوم أن تصارع “الفرس” و“الروم” على تخوم العالم القديم، يوم كانت الأرض مسرحًا لصراع الضدين.
اليوم تعود صورة الصراع بأسماءٍ جديدة وبوجوهٍ مغايرة... إلا أن خطوط التاريخ لم تنقطع... وكلما تغيّر هو حبرها فقط.
فبين الولايات المتحدة وإيران، تتجدّد ثنائية “الروم والفرس”، لا في تطابقٍ حرفي، بل في تماثلٍ رمزي يعكس صراع الإرادات الكبرى... حيث لا تُقاس الحروب بعدد الصواريخ وحدها، بل بعمق ما تتركه من تحوّلات في موازين النفوذ.
ومن خلال هذه اللحظة الحرجة... يبدأ التاريخ في إعادة تشكيل خرائطه، لا بقراراتٍ مُعلنة، بل بانزياحاتٍ صامتة نحو بدائل أخرى، قد يكون في مقدّمتها الشرق الصاعد.
إنها سنّة الله في إدارة الصراعات.
ذلك أن الصراع بين الإمبراطوريات لم يكن يومًا غايةً في ذاته، بل كان دائمًا تمهيدًا لولادة واقعٍ جديد، تتبدّل فيه مراكز القوة، وتُعاد صياغة خرائط النفوذ.
فمن هو يا تُرى ذلك المتربّص الذي يتسلّل من بين الركام ليجني ثمار هذا الصراع؟
إن قراءةً واعيةً لمسار التاريخ تُخبرنا أن لحظات الإنهاك الكبرى لا تُثمر نهوضًا تلقائيًا، بل تفتح الباب أمام من أعدّ نفسه سلفًا.
فالفراغ لا يبقى فراغًا... وإنما يُملأ دائمًا، إما بقوةٍ صاعدة، أو بفوضى عارمة.
لقد كان المسلمون، يوم انتصروا في اليرموك والقادسية، لا يدخلون المعركة بوصفهم طرفًا ثالثًا طارئًا...
بل بوصفهم مشروعًا حضاريًا مكتمل الملامح؛ مشروعًا يمتلك رؤيةً للإنسان، ومعنىً للوجود، ومنهجًا للحياة.
أما اليوم، فإن التحدّي لا يكمن في استدعاء أمجاد الماضي، ولا في استنساخ لحظاته، بل في إعادة بناء الإنسان الذي يصنع تلك اللحظات.
ذلك أن النصوص وحدها لا تُقيم حضارة، كما أن القيم إذا بقيت حبيسة الوعظ، لا تتحوّل إلى واقع.
ما بات حقيقةً لا تقبل الشك اليوم أنٌ العالم ينتظر —بصمت— من يقدّم نموذجًا مختلفًا، لا مجرد قوةٍ جديدة.
فهل نكون نحن ذلك النموذج؟
أم نظلّ على هامش التاريخ، نراقب دوراته وهي تتكرر دون أن نكون جزءًا من صناعتها؟
إن اللحظة الراهنة لا تحتاج إلى مزيدٍ من التشخيص بقدر ما تحتاج إلى إرادةٍ تتجاوز التردد، وإلى وعيٍ يُدرك أن النهوض لا يأتي دفعةً واحدة، بل يُبنى لبنةً لبنة...
في التعليم، في الاقتصاد، في الأخلاق، في وحدة الرؤية، وفي تحرير الإنسان من كل ما يُعطّل طاقته.
لقد علّمنا التاريخ أن الانتصارات الكبرى لا تُولد في ساحات القتال أولًا، بل تُولد في العقول، وتترسّخ في الضمائر، ثم تظهر نتائجها في الواقع.
ولهذا...فإن الرهان الحقيقي ليس على سقوط هذا الطرف أو ذاك، بل على قدرتنا نحن على أن نكون جاهزين عندما تسقط الأقنعة، وتُفتح أبواب التحوّل.
فإن لم نكن كذلك...
فإن التاريخ لن ينتظرنا، بل سيكتب فصلَه القادم...
ولكن بأقلامٍ أخرى.


