متى يجيء تجار النمل ؟

بقلم: الصديق الفجاحي

بعد الوحدة وصل إلى قريتنا البعيدة جدا والمختبئة الموغلة في الاختباء وراء جبال وسهول وقيعان والتي لا يصل إليها في الغالب إلى أهلها..وصل ذات يوم -بعد الوحدة مع الشعب البرجوازي الرأسمالي مجتمع الشهبندرات- وصلت سيارة نوع تويوتا متهالكة من شدة تهالكها تسمع لكل مسمار فيها صوت وحنة..
قبل أن تصل السيارة كانت مراقبة من لدنا منذ أن بدت في الأفق البعيد وهي تثير ألسنة متصلة من التراب المحلق في السماء من أثر عجلاتها وهي تشق الطريق الترابية فتثور الأرض بما يشبه الريح وبما يُعلم القريب بالغريب!
وقفت السيارة في برحة وسط القرية وقد تحلق حولها الأطفال ليرون من الآتي..كانا فيها شخصان غريبان مختلفان بشرتهما أقرب للبياض ولبسهما غير لبسنا زنة وجنجر بحزام ملون..
ـ من أنتم
ـ نحن تجار
ـ ما تبيعون؟
ـ لا شيء
تتسع أعيينا.. وكيف تقولون أنكم تجار
فيردون نشتري منكم
فتظهر الابتسامة في جوهنا مع الاستفهام..ولكننا لا نملك شيئا.
يردون علينا بالقول: نحن تجار خردة
فتعظم حيرتنا ويطول وجومنا عند هذه الكلمة التي لأول مرة تطن في أسماعنا..
يتدخل أكبرنا ويقول لهم(وش هي امخردة)
ـ نحن نشتري بقايا علب الحديد التالفة والبلاستيك وكل شي تالف...
ـ تشترون امقرابيع..
ـ نعم..نشتريها

فننظر إلى بعضنا في استغراب ووجوم وهل هذه الأشياء النفاية تصلح وتباع..
فننطلق جريا للبحث عن القرابيع التي تملأ بها جنبات القرية من علب حليب الدانو وسمن الشوكة والملعقة وعلب التونة والفاصوليا..
في غضون دقائق إلا وكل طفل منا أتى بحمل 
يستقبلها تاجر القرابيع ويرصها في سطحة السيارة ونحن في لهفة لقيمتها فيخرج من غمارة السيارة كيسا يدخل يده فيها ليستخرج قطعا من اللبان والعلك ..
ـ ما هذه 
ـ هذه قيمة ما جمعتم
ـ نريد نقودا
ـ هههههههه يضحك التاجر الشهبندر ..لكن هذه تالفة خذوا هذا ايضا فيعطينا حلّي..
نأخذه على مضض وندرك مؤخرا أن كل شيء سيباع في الغد.

كانت تلك الليلة مشهودة كل الناس في القرية يتحدثون حول ما حدث في صبيحة اليوم وأننا ممكن أن نبيع كل شي حتى الأحجار المتناثرة.
تحدث البرك عمير عن أنهم سيشترون التراب في المرة القادمة وكان يقسم على هذا وأما علي صالح فقد روى أن سيشترون النمل الأسود وقد حصل هذا في قرية أخواله..ضحكنا كثيرا لهبدت علي صالح وقابل سخريتنا أن النمل الأسود يستخرج منه السم ولهذا فهم يشترونه..
تراجعنا لحجة علي..
ـ ولكن كيف نجمعه 
ـ فقال علي ضعوه في علب بلاستيكية حتى مجيئ تاجر النمل وأردف علي أن تاجر النمل أفضل من تاجر امقرابيع لأن تاجر النمل يعطي مقابل كل علبة فلوس كثيرة..!

تكررت زيارة تجار القرابيع ولم يأتي تاجر النمل الذي أخبرنا به علي صالح ولا تاجر التراب الذي أقسم على مجيئه البرك.

ألفنا تاجر القرابيع والحقيقة أنهم تجار يعني في كل مرة يأتي واحد ..والسؤال الذي يدور في خلدنا كيف وصلوا إلى هنا وهل هذه التجارة مربحة أم أن وراء الأكمة ما وراءها!!

مضت شهور وسنين على هذه الحالة حتى عام ٩٩ تقريبا كان عمري حينها أثنى عشرة سنة..في تلك السنة وصلت سيارة غمارتين صباحا فيها ثلاثة أشخاص..
أول ما وصلوا سألوا على اسمين أين فلان بن فلان وفلان بن فلان؟
هكذا فقط ذكروا فقط اسمين قلنا لهم هذين من قريتنا لكنهما الآن ليسا هنا أحدهما بكّر لرعي غنمه والآخر عسكري وهؤلاء أولادهما فأخرجوا لهم من السيارة لكل واحد طاسة جديدة وأكواب بلاستيكية جديدة وقالوا لهم في المرة السابقة أعطانا أهلكم طاسة مكسرة وتالفة ولأننا نعمل في مصنع صلاح الدين لصناعة البلاستيك والأواني المعدنية فقد جعلنا كل طاسة طاستين لأنها سمكية وصناعة قديمة واحدة للمصنع والأخرى لصاحبها..بارك الله لكم.

دهشنا نحن وأخذنا الطمع وقلنا لهم معنا قدور وأواني كثيرة قديمة هل ممكن تأخذونها وتعطوننا نصيبنا..قالوا نعم هاتوا ما معكم وسنعيد صناعته ونعطيكم نصيبكم كما حدث لأصحابكم..
انتشر الخبر في القرية كالنار في الهشيم ولحسن حظ النصابين أن أغلب الكبار كانوا قد بكروا للعمل ففي قريتنا لا ينام أحد بعد الساعة السابعة ومن يتأخر نومه يُعير ويلام..

جمع أهل القرية القدور المعدنية الكبيرة وكانوا هولاء الغرباء لا يقبلوها إلا مكبوسة فقد رأيت الناس تكبس كل آنية تأتي بها برمي الأحجار عليها حتى تصير كومة..

امتلأت سطحة السيارة بالقدور والدلات والكتالي والصحون وغيرها..
وكان سائق السيارة حريص أن لا توضع آنية في السيارة إلا بعد كتابة اسم مالكها الرباعي وتدوينه في دفتر في خطة احترافية قذرة!
مرت ساعة كاملة حتى أطت السيارة من حمولتها وفي هذه الأثناء رأيت العم منصور يحمل في يده مسجلتها السانيو الملبسة بقطعة قماش مخملية لونها كدم الغزال وعليها حواشي مذهبة كان يشق الطريق نحو الغرباء..
 بدت المسجلة السانيو وكأنها عروس في صبيحة عرسها تقدم العم منصور إلى عند السائق وقال لهم أن المسجلة معطلة وهل يقدورن على إصلاحها قالوا نعم بكل تأكيد سنجعلها أحسن مما كانت عليه..
تحدث العم منصور أنه لا يطيق أن يجلس من دون راديو حيث أن الراديو شغال ولولا وجود كاست نزل حديثا معه للخالدي والصنبحي ما رضي مفارقة المسجلة.
أخبروه أنهم سيعودون قريبا وسيجلبون له كل أشرطة الخالدي والصنبحي هدية..فرح العم منصور وتهلل وجهه ودعا لهم..
هذا الموقف جعلني أتذكر إذاعتي الصغيرة المعطلة من خمسة أيام..كانت إذاعتي رفيقة مسيرتي ونافذتي للعالم وأنيسة مسائي..
كنت اصطبح عليها قبل الفطور وكنت أحب إذاعة صنعاء أكثر من عدن وأحلق مع أغانيها صباحا..
صباح الخير يا وطنا يسير إلى العليا إلى الأعلى..
ودمت للتاريخ محرابا مهابا وغيرها من الأجنحة التي كنت أحلق بها عاليا.
كان لصوت المذيعة الخالدة عائدة الشرجبي وقع على النفس لم يفارقها أبدا وصدى لم يزل كذلك حتى الآن.

المهم أخبرتهم أن معي راديو أريد إصلاحها وبدون تردد قالوا جيبها يا خبير.
جبتها وتدون اسمي برقم ٣٣ في دفترهم.
كتبوا اسمي وأمامه إذاعة صححت لهم راديو راديو قالوا كله نفس الخبر..اقتنعت ورضيت أهم شي تصلح الإذاعة.

شرعتْ سيارتهم في التحرك والتهمها القاع والأفق البعيد بعد أن ثار الغبار عليها موذنا بالوداع الأخير..
في الظهيرة عاد أحد الذين جلبوا لهم طاسة وكوبين بلاستيكين من رعي الغنم انطلقنا نحوه نلومه لماذا لم يخبرنا في المرة الأولى حين أعطاهم الطاسة حتى نستفيد كم استفاد
قال لنا أنا لم أعطِ شيئا البتة, قلنا ولكنه ذكر اسمك قال هل ذكر اسمي الرباعي قلنا لا ولكن ذكر الاسم الثنائي فقط قال لنا البقية في حياتكم هولا نصابين وذكروا لكم اسما مشاعا مشتهرا في منطقتنا.. لقد وقعتم في الفخ يا شعب البولتاريا أوقعكم الرأسماليون البرجوازية.
أسقط في أيدينا وعضينا أنامل الندم ولكني لم أقتنع بقوله وبقيت متشبثا بأمل عودتهم, كنت أترقب كل يوم الطريق وكان كل غبار يثار في البعيد أملا أنتظره يتلاشى ويموت عند وصول غير ما انتظره..

وصل بعد هذه الحادثة تجار القرابيع وكنت أسألهم عن سيارة لونه كذا وكذا وفيها أشخاص يعملون في مصنع صلاح الدين وكنت كل مرة أجاب بأن لا معرفة لهم ولا صلة بمن أسال عنهم..
كنت أتفرس كل شخص ألقاه من شعب الشهبندرات والسوق الحرة الذين توحدنا معهم كنت أرى إذاعتي السوداء في ناصيته وكأنه هو  الغريم لا سواه..
كانت عقدة لازمتني زمنا طويلا وألعن الوحدة التي فقدت لأجلها إذاعتي الأثيرة فلولاها ما نصب علي في عقر داري ونصب على أهل قريتي الذين لم يفكروا أن إنسانا يرضى على أخيه أو يكذب عليه..
لم يكن الكذب ولا النصب معروفين في بيئتنا البتة حتى ذلكم اليوم المشؤوم..
 شعرنا حقا أننا صرنا مستهدفين حتى خلف هذه الجبال والاكام من قبل إخوتنا وأن ليس نظام صنعاءمشاركا في وأد الوحدة وتشويهها بل حتى عامة شعبها المترف يرى فينا عدوا يجوز النصب عليه وأكل ماله بأي طريقة!

حين قنعت من إذاعتي اشتريت أخرى ولزمت إذاعة عدن وكرهت إذاعة صنعاء لولا صوت عائدة سليمان الشرجبي الذي سحرتني نبرتها وأدمنت سماعها.

وأخيرا نقول لإخوتنا أننا لم نعرفكم تجارا إلا لمقرابيع ونحن لازلنا ننتظر تجار النمل والتراب بفارغ الصبر.

كتب.. الشاهد والضحية:
الصديق الفجاحي