الحذر ولا الشجاعة
الجميع يعلم علم اليقين بأن إدارة السيول تبدأ قبل هطول المطر
ومع دخول موسم الأمطار هذا العام، وما يصاحبه من تشكّل منخفضات جوية تؤثر على أجزاء واسعة من اليمن، تتكرر ذات المشاهد المؤلمة التي اعتدنا رؤيتها كل عام: سيول جارفة، خسائر في الأرواح، تدمير للممتلكات، وانهيار في البنية التحتية الزراعية. ورغم التحذيرات المتكررة، لا تزال الاستجابة الرسمية تأتي متأخرة، وكأن الكارثة هي من يوقظ الحس بالمسؤولية، لا التخطيط المسبق.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:
الأزمات الطبيعية لا تُدار وقت وقوعها، بل تُدار قبل حدوثها.
لقد أصبح من المألوف أن تعلن بعض الجهات حالة الطوارئ مع بداية هطول الأمطار، بينما كان الأجدر أن تُعلن هذه الحالة في الموسم المغلق، أي خلال فترات الجفاف، حيث تتوفر الفرصة الحقيقية لصيانة قنوات الري، وإعادة تأهيل السدود، وتنظيف مجاري السيول، وترميم المنشآت المائية المتهالكة.
إن التقصير في هذه المرحلة ليس مجرد خلل إداري، بل هو سبب مباشر في تضاعف حجم الكارثة. فتكلفة الإصلاح بعد الدمار غالبًا ما تكون ثلاثة إلى خمسة أضعاف تكلفة الوقاية المسبقة، ناهيك عن الخسائر التي لا تُقاس بالأموال، كفقدان الأرواح، وانجراف الأراضي الزراعية، وتهدم المنازل.
لماذا تتكرر الخسائر؟
الاجابة بكل بساطة لأننا....
لم نُحسن الاستعداد.
-لم يتم تجهيز قنوات تصريف السيول بالشكل المطلوب.
-لم تُنظف العوائق والترسبات التي تعيق جريان المياه.
-لم تُعزز السدود والحواجز لمواجهة التدفقات العالية.
-لم توضع خطط طوارئ واقعية تستند إلى أسوأ الاحتمالات.
والنتيجة!!!!
مياه كان يمكن أن تُستثمر لري آلاف الهكتارات، تحولت إلى قوة مدمرة تجرف كل ما يعترض طريقها.
كيف نتصرف بحكمة؟
والاجابه كالتالي ...
أولًا... على الجهات المعنية أن تدرك أن إدارة السيول مسؤولية سنوية مستمرة، لا إجراء موسمي مؤقت.
ثانيًا.. يجب وضع خطة شاملة لصيانة منظومة الري خلال فترات الجفاف، تشمل إزالة الترسبات، وتوسعة القنوات، وتقوية الجسور والحواجز.
ثالثًا...تفعيل دور المجتمعات المحلية في مراقبة مجاري السيول والإبلاغ عن أي اختناقات أو مخاطر.
رابعًا... إطلاق حملات توعوية للمواطنين بعدم البناء في مجاري السيول، والابتعاد عن المناطق المنخفضة أثناء هطول الأمطار.
خامسًا... تجهيز فرق طوارئ مدربة قادرة على التدخل السريع لحماية الأرواح وتقليل الخسائر.
سادسا...ضرورة تهذيب الوديان الذي فيها انحرفت السيول وغيرت اتجاهها
باتجاه اراضي زراعيه أو مجمعات سكنيه
رسالة إلى المسؤولين
إن إعلان حالة الطوارئ أثناء الكارثة ليس إنجازًا، بل اعتراف متأخر بالتقصير. الإنجاز الحقيقي هو أن تمر مواسم الأمطار دون خسائر تُذكر، وأن تتحول السيول من خطر يهدد الناس إلى مورد مائي يدعم الزراعة ويعزز الأمن الغذائي.
رسالة إلى المجتمع..
الوعي هو خط الدفاع الأول. لا تستهينوا بقوة السيول، ولا تخاطروا بأرواحكم أو ممتلكاتكم. التعاون مع الجهات المختصة، والالتزام بالإرشادات، قد ينقذ حياة إنسان.
في النهاية،تبقى الحقيقة الأهم وهي
ما يُهمل في زمن الاستقرار… يُدفع ثمنه مضاعفًا في زمن الأزمات.


