الفرس ومشروع التوسع باسم الدين - لغز الإمبراطورية التي لا حدود لأطماعها...

كل الإمبراطوريات لا تُقرأ من جيوشها عبر التاريخ كونها لا تُفهم ولا تُقرأ إلا من خلال عقيدتها العميقة التي "لا تُعلن" ومن "سلوكها التاريخي" الذي لا يتغير!.
ومن بين كل الأمم التي صادمت العرب والمسلمين، يظل الفرس حالة فريدة -
ليس لأنهم الأقوى عسكرياً… بل لأنهم الأكثر خصوصية - في التديّن، ولأنهم الأخطر في التكيّف.
بالإشارة لما سبق أدعو القارئ العربي للتركيز في عملية التشريح الإكلينيكية للفرس كجسم بفيسيولوجيته الذهنية وماهيته المادية عبر هذه القراءة للجذور والغوص بالأعماق من خلال المحاور الخمسة الآتية:

المحور الأول:
 الفرس ديانة بلا دعوة، وسلطة بلا تبشير، فمنذ الإمبراطورية الساسانية، لم يكن الفرس دعاة عقيدة بقدر ما كانوا مهندسي نفوذ.
وسواءً بديانتهم
 الزرادشتية قديماً أو التشيع سياسياً لاحقاً، لم تُطرح (الفارسية) يوماً كمشروع عالمي مفتوح كما هو حال النصرانية أو اليهودية.
ولم يُعرف عن الفرس أنهم سعوا لإدخال الشعوب في دينهم بقدر ما سعوا لإدخالهم في "طاعتهم".
حتى في اليمن، حين دخلوها متسللين بذريعة "مقاومة الاحباش"، لم يكن هدفهم تحويل العرب إلى زرادشتيين… بل تحويلهم إلى تابعين.
وهذا النمط لم يتغير لديهم بل تطوّر بإدخال وسائل عصرية في أساليب السيطرة وأدوات للهيمنة وذرائع الاستحواذ، التي بلغت اليوم ذروتها في نسختهم الخمينية والتي معها لا يشترطون التشيع بقدر ما يشترطون الولاء.
بل إن التشيع نفسه لا قيمة له إن لم يُقرن بالانخراط السياسي في مشروعهم.
لذلك يعادون دولة شيعية كـ "أذربيجان" لأنها خارج نفوذهم ويدعمون قوى نصرانية كـ "الأرمن" إن اقتضت المصلحة كما وقفوا تاريخياً مع "الصرب" ضد مسلمي البلقان، رغم وحدة الدين مع الطرف الآخر كما يدعون ذلك .

المحور الثاني:
لماذا لم يسقط الفرس دينياً كما سقطوا سياسياً ؟
للعلم فإنه حين سقطت الإمبراطورية الفارسية، لم ينهَر الفرس كما انهار غيرهم كـ الروم الذين ظلوا نصارى، وكـ  اليهود الذين ظلوا يهوداً، وكلا النسختين لم تتحولا إلى نسخة مزدوجة كما هو الحال بالنسبة للفرس الذين
قبلوا الإسلام "ظاهراً"
 وأعادوا إنتاج ذواتهم "باطناً".
وهنا يكمن السؤال الأخطر :
هل كان ذلك تحوّلاً دينياً؟ أم استراتيجيةَ بقاءٍ حضاريٍ؟
إن بقاء النزعة الفارسية متجذرة لديهم - رغم تبدّل الدين - يشير إلى أن المسألة لم تكن عقيدة بقدر ما كانت "هوية إمبراطورية تبحث عن شكل جديد".

المحور الثالث: 
لماذا حضر الروم في القرآن نصاً صريحاً في سورة سورة الروم،
بينما غاب الفرس بالاسم؟
الجواب هنا ليس في الغياب بل في طبيعة الحضور!
فالروم كانوا قوة دينية مكشوفة تُمثل امتداداً كتابياً لـ (النصرانية).
أما الفرس فكانوا مجرد قوة حضارية مغلقة لا تقدم نفسها كدعوة عالمية.
لذلك القرآن يواجه ما يُشكّل وعي الناس لا فقط ما يُهددهم عسكرياً.
ولذلك ذُكر الروم لأن صراعهم مع الفرس كان صراع رؤى دينية عالمية بينما الفرس لم يكونوا مشروع هداية بل مشروع سيطرة.
أما الإشارات إليهم فقد وردت تلميحاً ضمن سياق "المجوس" - لا باعتبارهم أمة دعوة، بل كتجميعة خرافات خاصة -

المحور الرابع:
 لماذا ركّز النبي على الروم أكثر من الفرس؟
النبي محمد ﷺ لم يكن يتحرك وفق ردّات فعل بل وفق أولويات استراتيجية ففي زمنه
كان الروم هم القوة العالمية الأكثر تماسّاً مع المجال الإسلامي الناشئ، وكانت لهم صبغة دينية تجعلهم طرفاً في جدل عَقَديٍ مباشر مع الإسلام.
أما الفرس فكانوا في مرحلة انكماش واضطراب داخلي مما جعل النبي ﷺ: يركّز على الروم (التهديد الخارجي العقدي والسياسي) بينما أبو بكر الصديق ركّز على الداخل (حروب الردة وتثبيت الدولة) في حين عمر بن الخطاب اتجه شرقاً نحو الفرس باعتبار ذلك (لحظة الحسم الاستراتيجي).
ثلاثية الأدوار هذه لم تكن اختلافاً في الرؤية أو تباين في تقدير الخطر، بل تكاملا في المراحل.

المحور الخامس:
الحديث "لا كسرى بعد اليوم" هل كان إعلان نهاية؟ أم بداية تحوّلٍ؟
قاله النبي ﷺ  بعد أن مزّق كسرى كتابه، وهذه لم تكن مجرد نبوءة بل إعلان عن نهاية النموذج "الإمبراطوري الفارسي" بشكله {القديم} بالطبع.
وما لم يُفهم جيداً
أن الكيان قد يسقط لكن النمط قد يبقى.
فقد سقط كسرى ولم تسقط "العقلية الكسروية". بل تحولت من عرش إلى شبكة،
ومن إمبراطورية إلى مشروع نفوذ، ومن ديانة مغلقة إلى أداة سياسية مرنة.
ومن هنا يمكن القول بأن التاريخ لا يعيد نفسه لكنه يكشف من لا يتغير! فالفرس لم يكونوا يوماً مجرد أمة دخلت الإسلام بل كانوا مشروعاً أعاد "تشكيل نفسه داخل الإسلام".
وهنا تكمن الإشكالية،
حين تفهم العدو كدين بينما هو يتحرك كحضارة، وحين تواجهه كعقيدة، بينما يدير صراعه كاستراتيجية.
وهنا يبقى السؤال :
هل المشكلة فيهم؟
أم في طريقة قراءتنا لهم؟!