اليمن.. حين يكون التاريخ عقيدةً والهوية قدراً
ليس اليمن، كما يتوهّم السطحيون، رقعةً تُختصر في حسابات السياسة، ولا اسمًا يُختزل في ذاكرةٍ عائلية أو حاشيةٍ في كتاب.
اليمن فكرة، والأفكار لا تُشترى.
واليمن قدر، والأقدار لا تُلغى.
ومن هنا يبدأ الفهم… أو لا يبدأ.
لقد اختصّ الله أهل اليمن بخصائص لم تجتمع لغيرهم؛ لا من حيث الامتداد التاريخي، ولا من حيث الرسوخ الحضاري، ولا من حيث الانسجام مع الفطرة الأولى.
فاليمن، في جوهره، ليس حالةً طارئة في التاريخ، بل هو أحد صُنّاعه الكبار.
ويكفي، على سبيل المثال لا الحصر، أن الأمة التي انبثقت من هذه الأرض كانت، في لحظةٍ ما، صاحبة الامتداد الكوني تحت راية الملك الصالح ذي القرنين؛ ذلك النموذج الذي اجتمع له من التمكين ما لم يجتمع لنبيٍّ مرسل، ولا لملكٍ مقرّب، في صورة الحكم والانتشار.
ولم يكن ذلك التمكين اعتباطًا، وإنما نتيجة بُنيةٍ إنسانية ممثّلة في:
بسطةٍ في الخَلق،
نُبلٍ في الأخلاق،
إبداعٍ في التفكير،
وقدرةٍ على إخضاع الطبيعة، لا الخضوع لها.
ألم يقل الحق سبحانه:
(وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ، وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً)؟
وقال أيضًا:
(وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ، تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا، وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا).
إنها ليست مجرد إشارات، بل توصيفٌ لبُنية أمة.
ثم يأتي التصديق من السماء، عبر لسان النبوة، حين قال النبي ﷺ:
"الإيمانُ يمانٍ، والحكمةُ يمانية"،
ووصفهم بأنهم أهل المدد، وأن من أرضهم نَفَس الرحمن.
وهنا تتكشف حقيقةٌ عميقة؛ وهي أن ما قيل في اليمن ليس مدحًا عابرًا، بل إقرارٌ بحالةٍ ممتدة عبر الزمن.
فالنبي ﷺ لم يتحدث عن لحظةٍ عابرة، بل عن مسارٍ مستمر،
ولم يصف حادثةً، بل وصف طبيعةً.
واليمن، في تاريخه العميق، لم يكن أرضَ انحرافٍ عقدي كما كانت أممٌ كثيرة، بل ظلّ أقرب إلى التوحيد، وأبعد عن الطواغيت التي تحجب الناس عن ربهم؛ ولهذا وصفه الله بقوله: "بلدةٌ طيبة".
وسُمّي في الوعي الإنساني القديم:
"بلاد العرب السعيدة"،
لأنه، ببساطة، كان المنبع. ومن هذا المنبع خرجت العروبة، كما يخرج النهر العظيم من مصدرٍ صافٍ؛ فتلتحق به الروافد، وتذوب فيه، دون أن تغيّر جوهره.
فالعرب العاربة أصلٌ ثابت، وما سواهم روافد متحركة.
ولعل النموذج الأصدق لذلك: الأوس والخزرج، القبيلتان اليمانيّتان اللتان لم تكتفيا بالإيمان، بل صنعتا نقطة التحول الكبرى في التاريخ الإسلامي؛ حيث:
احتضنتا الدعوة،
منحتاها الحماية،
حملتاها إلى العالم،
وذلك في لحظةٍ كان فيها الخذلان عامًا، والتآمر شاملًا، والخطر محيطًا من كل اتجاه.
ولليمن خصوصيةٌ أخرى لا يلتفت إليها كثيرون؛ حيث نسبه الله إلى حضارته، لا إلى عِرقه، حين قال:
(لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ)،
ولم يصفهم بأنهم قوم فلان، أو أتباع علّان!
وهنا يتجلّى الفرق بين أمةٍ تُعرَّف بالفعل الحضاري، وبين أممٍ تُعرَّف بالانتماء الضيّق.
ثم تأمّلوا رمزية السدّ الذي بناه ذو القرنين؛ فليس مجرد بناءٍ فحسب، بل فكرةٌ حضارية، وجدارُ حماية، وتنظيمُ شؤون، وتدبيرُ أحوال؛ حتى صار ذكره قرآنًا يُتلى إلى يوم البعث، وسورةً تُقرأ كل جمعة. وليس في ذلك عبث.
ولم يكن التبابعة، امتدادًا لذلك الإرث، مجرد ملوك، بل حملة مشروع؛ بلغوا مشارق الأرض، ودخلوا التاريخ لا كغزاة، بل كفاتحين عادلين.
حتى قال النبي ﷺ:
"لا تسبّوا تُبّعًا؛ فإنه كان مؤمنًا بالله".
والأدهى من ذلك كله أن اليمن، في تاريخه، لم يُعرف عنه أنه فرض هيمنته بالقهر، بل كان حضوره امتداد فطرة، وتحركه انسجامًا مع دعوات السماء.
فاستجاب للأنبياء، وحمل الرسالات، بل وبادر، في فترات الانقطاع، إلى التوحيد بفطرته.
أليس هذا هو التفوق الحقيقي؟
حتى في لحظات الانحراف النادرة،
لم ينحدر إلى عبادة الحجر والبقر كما فعل غيره،
بل اتجه إلى أعظم ما يرى، وهي الشمس. وإن كان ذلك خطأً، إلا أنه يكشف عن نفسٍ تبحث عن العظمة، لا عن الدونية.
أما في العمران، فحدّث ولا حرج؛ عن السدود، والمدن، والنحت في الجبال، والخط المسند.
فالشواهد لا تقول إن اليمن كان حاضرًا فحسب، بل إنه شكّل ثلاثية الامتداد الزمني، بتفوقٍ لا نظير له في عصره، ولا مثيل له فيما مضى، ولا يمكن تكراره مستقبلًا.
ومصداق ذلك قوله سبحانه:
(إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ).
وبما أن "لم" هنا تفيد النفي الممتد عبر الزمن، ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا،
فإنه يوجب علينا فهم المنزلة اليمنية في الإسلام بأنها لم تكن منحةً طارئة، بل كانت امتدادًا طبيعيًا لتاريخٍ متجذر، وفطرةٍ نقية.
واليوم، حين يُختزل اليمن ويُقدَّم كملفٍ هامشي، تكمن المشكلة… ولكنها ليست في اليمن، بل في الوعي الذي لم يقرأ اليمن.
فاليمن ليس ماضيًا يُحكى، بل معيارٌ يُقاس به.
ليبقى السؤال:
أكو عرب؟!


