يومُ السواد الأعظم.. حين انكسر نصلُ "المعتصم" في خاصرة التاريخ.

بقلم: حسين سالم السليماني.

إنها صرخة مخنوقة في حنجرة التاريخ.
لم تكن الأيام السوداء في الأمم يوماً مجرد "ذكرى" عابرة تُحييها طقوسٌ باهتة، كأيام الحب أو الطفل أو مكافحة التدخين؛ بل كانت الأيام السوداء صواعقَ تُزلزل الأرض تحت أقدام المتخاذلين. لكننا اليوم، نعيش زمناً مسخاً، استمرأت فيه الأمةُ سوادَ أيامها حتى غدا جزءاً من نسيج حياتها العادي، وضاع النهجُ القويم وسط غيابات الجبّ، حين افتقدت الأمة القائد الملهم والمنهج الرباني الذي يحرس دينها ويصون دنياها.
لقد أدرك الكيان الغاصب، بحدسه المتربص، أن الأنظمة لم تعد سوى "أوراق خريف" ذابلة، خلت من روح العزة والكرامة التي استمدتها يوماً من دينها الحنيف. وحين استباح غزة العزة، وحوّلها إلى ركامٍ تحت وطأة أسلحة محرمة دولياً أمام مرأى ومسمع عالمٍ أبكم، تيقن أن الأمة باتت جسداً بلا روح، وأن الرد الذي يزعجه قد سقط في دهاليز الاستنكار والشجب الورقي.
اليوم، يخرج هذا الكيان من "شرنقته" ليعبث بخارطة المنطقة، متجاوزاً كل القوانين الدولية التي لم تكن يوماً إلا سياطاً تُجلد بها الظهور الضعيفة. لقد "حط المشمش على التفاح" في مشهدٍ سريالي مؤلم، وخرج القتلة المجرمون، يقرعون كؤوس الخمر انتشاءً بدمائنا، محتفلين بجريمة نكراء لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلاً.
ليست القضية اليوم حدوداً تُنتهك فحسب، بل هي "محرقة بشرية" تُعد لآلاف الأسرى الفلسطينيين؛ نساءً وشباباً ورجالاً، يُساقون إلى الذبح تحت شعارات "الإعدام الجماعي". إنها الذروة في سيمفونية الإذلال التي يعزفها الكيان على أوتار صمتنا. أيُّ يوم أسود هذا الذي يخطه التاريخ في ديوان المسلمين؟ إنه ليس سواداً يلحق بالأوائل الفاتحين، بل هو سواد يُلطخ جبين جيلنا المعاصر؛ شعوباً سبقت حكامها في مضمار الركود.
وا إسلاماه.. صرخة في وادي الصمت
أين أصداء "وا معتصماه"؟ تلك الصرخة التي كانت تُحرك الجيوش لأجل كرامة امرأة واحدة، تتردد اليوم في أزقة القدس ودهاليز السجون المظلمة، لكنها لا تجد إلا صدىً باهتاً. إن إعدام المعتقلين ليس مجرد جريمة حرب، بل هو إعلان وفاةٍ لضمير أمة تمتلك كل مقدرات القوة وتفتقر لقرار المواجهة.
لا يمكن للعار أن يغسل نفسه، ولا يمكن للتاريخ أن يرحم المتفرجين. إن ما يحدث للأسرى هو المسمار الأخير في نعش الكبرياء، ما لم تستفق الشعوب قبل الأنظمة، لتعلن أن "اليوم الأسود" لن يمر دون أن يعقبه فجر يقتلع جذور الطغيان.